العلم الذي هو العلم المعتبر شرعا أعني الذي مدح الله ورسوله أهله على الإطلاق هو العلم الباعث على العمل الذي لا يخلي صاحبه جاريا مع هواه كيفما كان بل هو المقيد لصاحبه بمقتضاه الحامل له على قوانينه طوعا أو كرها ومعنى هذه الجملة أن أهل العلم في طلبه وتحصيله على ثلاث مراتب
المرتبة الأولى الطالبون له ولما يحصلوا على كماله بعد وإنما هم في طلبه في رتبة التقليد فهؤلاء إذا دخلوا في العمل به فبمقتضى الحمل التكليفي والحث الترغيبي والترهيبي وعلى مقدار شدة التصديق يخف ثقل التكليف فلا يكتفي العلم ههنا بالحمل دون أمر آخر خارج مقوله من زجر أو قصاص أو حد أو تعزير أو ما جرى هذا المجرى ولا إحتياج ههنا إلى إقامة برهان على ذلك إذ التجربة الجارية في الخلق قد أعطت في هذه المرتبة برهانا لا يحتمل متعلقه النقيض بوجه
والمرتبة الثانية الواقفون منه على براهينه إرتفاعا عن حضيض التقليد المجرد واستبصارا فيه حسبما أعطاه شاهد النقل الذي يصدقه العقل تصديقا يطمئن إليه ويعتمد عليه إلا أنه بعد منسوب إلى العقل لا إلى النفس بمعنى أنه لم يصر كالوصف الثابت للإنسان وإنما هو كالأشياء المكتسبة والعلوم المحفوظة التي يتحكم عليها العقل وعليه يعتمد في استجلابها حتى تصير من جملة مودعاته فهؤلاء إذا دخلوا في العمل خف عليهم خفة أخرى زائدة على مجرد التصديق في المرتبة الأولى بل لا نسبة بينهما إذ هؤلآء يأبى لهم البرهان المصدق أن يكذبوا ومن جملة التكذيب الخفي العمل على مخالفة