العلم الحاصل لهم ولكنهم حين لم يصر لهم كالوصف ربما كانت أوصافهم الثابتة من الهوى والشهوة الباعثة الغالبة أقوى الباعثين فلا بد من الإفتقار إلى أمر زائد من خارج غير أنه يتسع في حقهم فلا يقتصر فيه على مجرد الحدود والتعزيرات بل ثم أمور أخر كمحاسن العادات ومطالبة المراتب التي بلغوها بما يليق بها وأشباه ذلك وهذه المرتبة أيضا يقوم البرهان عليها من التجربة
إلا إنها أخفى مما قبلها فيحتاج إلى فضل نظر موكول إلى ذوي النباهة في العلوم الشرعية والأخذ في الإتصافات السلوكية
والمرتبة الثالثة الذين صار لهم العلم وصفا من الأوصاف الثابتة بمثابة الأمور البديهية في المعقولات الأول أو تقاربها ولا ينظر إلى طريق حصولها فإن ذلك لا يحتاج إليه فهؤلاء لا يخليهم العلم وأهواءهم إذا تبين لهم الحق بل يرجعون إليه رجوعهم إلى دواعيهم البشرية وأوصافهم الخلقية
وهذه المرتبة هي المترجم لها
والدليل على صحتها من الشريعة كثير كقوله تعالى أمن هو قآنت آنآء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ثم قال قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون الآية فنسب هذه المحاسن إلى أولي العلم من أجل العلم لا من أجل غيره وقال تعالى الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم والذين يخشون ربهم هم العلماء لقوله إنما يخشى الله من عباده العلماء وقال تعالى وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق الآية ولما كان السحرة قد بلغوا في علم السحر مبلغ الرسوخ فيه وهو معنى هذه المرتبة بادروا إلى الإنقياد والإيمان حين عرفوا من علمهم أن ما جاء به موسى عليه السلام حق ليس بالسحر ولا الشعوذة ولم يمنعهم من ذلك التخويف ولا التعذيب الذي توعدهم به فرعون وقال تعالى وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون فحصر تعقلها