في القول بالظاهر فقال له ابن سريج أنت تلتزم الظواهر وقد قال تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره فما تقول فيمن يعمل مثقال ذرتين فقال مجيبا الذرتان ذرة وذرة فقال ابن سريج فلو عمل مثقال ذرة ونصف فتبلد وانقطع وقد نقل عياض عن بعض العلماء أن مذهب داود بدعة ظهرت بعد المائتين وهذا وإن كان تغاليا في رد العمل بالظاهر فالعمل بالظواهر أيضا على تتبع وتغال بعيد عن مقصود الشارع كما أن إهمالها إسراف أيضا كما تقدم في آخر - كتاب المقاصد وسيذكر بعد إن شاء الله تعالى
فإذا ثبت هذا وعمل العامل على مقتضى المفهوم من علة الأمر والنهي فهو جار على السنن القويم موافق لقصد الشارع في ورده وصدره ولذلك أخذ السلف الصالح أنفسهم بالإجتهاد في العبادة والتحري في الأخذ بالعزائم وقهروها تحت مشقات التعبد فإنهم فهموا أن الأوامر والنواهي واردة مقصودة من جهة الآمر والناهى لينظر كيف تعملون وليبلوكم أيكم أحسن عملا لكن لما كان المكلف ضعيفا في نفسه ضعيفا في عزمه ضعيفا في صبره عذره ربه الذي علمه كذلك وخلقه عليه فجعل له من جهة ضعفه رفقا يستند إليه في الدخول في الأعمال وأدخل في قلبه حب الطاعة وقواه عليها وكان معه عند صبره على بعض الزعازع المشوشة والخواطر المشغبة وكان من جملة الرفق به أن جعل له مجالا في رفع الحرج عند صدماته وتهيئة له في أول العمل بالتخفيف استقبالا بذلك ثقل المداومة حتى لا يصعب عليه البقاء فيه والاستمرار عليه فإذا داخل العبد حب الخير وانفتح له يسر المشقة صار الثقيل عليه خفيفا فتوخى مطلق الأمر بالعبادة بقوله وتبتل إليه تبتيلا وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون فكأن