والثانى على تسليم وروده أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم يعلم قطعا أنهم حازوا هذه المرتبة واستيقنوها حالا وعلما ولكنه عليه السلام ندبهم إلى الدخول في الأسباب المقتضية لمصالح الدنيا كما أمرهم بالأسباب المقتضية لمصالح الآخرة ولم يتركهم مع هذه الحالة فدل ذلك على أن الأفضل ما دلهم عليه ولأن هذه الحالة لا يعتد بها مقاما يقوم فيه ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة و السلام
قيدها وتوكل رواه الطبراني وأيضا فأصحاب هذه الحالة هم أهل خوارق العادات ولم يتركوا معها التسبب تأدبا بآداب رسول الله صلى الله عليه و سلم وكانوا أهل علم ولم يكونوا ليتركوا الأفضل إلى غيره
وأما المرتبة الرابعة وهى مرتبة الابتلاء فالتسبب فيها أيضا ظاهر فإن الأسباب قد صارت عند صاحبها تكليفا يبتلى به على الإطلاق لا يختص ذلك بالأسباب العبادية دون العادية فكما أن الأسباب العبادية لا يصح فيها الترك اعتمادا على الذى سببها من حيث كانت مصروفة إليه كذلك الأسباب العادية ومن هنا لما قال عليه السلام
ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار قالوا يا رسول الله فلم نعمل أفلا نتكل قال لا اعملوا فكل ميسر لماخلق له ثم قرأ فأما من أعطى واتقى إلىآخرها فكذلك العاديات لأنها عبادات فهى عنده جارية على الأحكام الموضوعة
ونظر صاحب هذه المرتبة في الأسباب مثل نظره في العبادات يعتبر فيها مجرد الأسباب ويدع المسببات لمسببها