الثالث أن يخوض فيما خاض فيه الطرفان ويتحقق بالمعاني الشرعية منزلة على الخصوصيات الفرعية بحيث لا يصده التبحر في الاستبصار بطرف عن التبحر في الاستبصار بالطرف الآخر فلا هو يجرى على عموم واحد منهما دون أن يعرضه على الآخر ثم يلتفت مع ذلك إلى تنزل ما تلخص له على ما يليق في أفعال المكلفين فهو في الحقيقة راجع إلى الرتبة التي ترقى منها لكن بعلم المقصود الشرعي في كل جزئي فيها عموما وخصوصا
وهذه الرتبة لا خلاف في صحة الاجتهاد من صاحبها وحاصله أنه متمكن فيها حاكم لها غير مقهور فيها بخلاف ما قبلها فإن صاحبها محكوم عليه فيها ولذلك قد تستفزه معانيها الكلية عن الالتفات إلى الخصوصيات وكل رتبة حكمت على صاحبها دلت على عدم رسوخه فيها وإن كانت محكوما عليها تحت نظره وقهره فهو صاحب التمكين والرسوخ فهو الذى يستحق الانتصاب للاجتهاد والتعرض للاستنباط وكثيرا ما يختلط أهل الرتبة الوسطى بأهل هذه الرتبة فيقع النزاع في الاستحقاق أو عدمه والله أعلم
ويسمى صاحب هذه المرتبة الرباني والحكيم والراسخ في العلم والعالم والفقيه والعاقل لأنه يربي بصغار العلم قبل كباره ويوفى كل أحد حقه حسبما يليق به وقد تحقق بالعلم وصار له كالوصف المجبول عليه وفهم عن الله مراده ومن خاصته أمران أحدهما أنه يجيب السائل على ما يليق به في حالته على الخصوص إن كان له في المسألة حكم خاص بخلاف صاحب الرتبة الثانية فإنه إنما يجيب من رأس الكلية من غير اعتبار بخاص والثاني أنه ناظر في المآلات قبل الجواب عن السؤالات وصاحب الثانية لا ينظر في ذلك ولا يبالي بالمآل