دل الكفار على عورة المسلمين مع علمه بأنهم يستأصلونهم بدلالته ويسبون حريمهم وأطفالهم ويغنمون أموالهم فإن نسبة هذه المفاسد أعظم من التولي يوم الزحف بغير عذر وكذا لو كذب على إنسان وهو يعلم أنه يقتل بسبب كذبه وأطال في ذلك إلى أن قال وقد ضبط بعض العلماء الكبائر بأن كل ذنب قرن به وعيد أو حد أو لعن فهو من الكبائر فتغيير منار الأرض أي طرقها كبيرة لاقتران اللعن به فعلى هذا كل ذنب يعلم أن مفسدته كمفسدة ما قرن به الوعيد أو اللعن أو الحد أو كان أكبر من مفسدته فهو كبيرة انتهى
قال ابن دقيق العيد وعلى هذا فيشترط أن لا تؤخذ المفسدة مجردة عما يقترن بها من أمر آخر فإنه قد يقع الغلط في ذلك ألا ترى أن السابق إلى الذهن في مفسدة الخمر إنما هو السكر وتشويش العقل فإن أخذنا بمجردة لزم أن لا يكون شرب القطرة الواحدة منه كبيرة لخلوها عن المفسدة المذكورة لكنها كبيرة لمفسدة أخرى وهي التجري على شرب الكثير الموقع في المفسدة فهذا الاقتران يصيره كبيرة انتهى
قال الجلال البلقيني وما ذكره في القطرة من الخمر قاله ابن عبد السلام قبله وقال في قواعده أيضا بعد حكايته ما سبق لم أقف لأحد من العلماء على ضابط ذلك ولعله أراد ضابطا يسلم من الاعتراض أو ضابطا جامعا مانعا انتهى
ومنها قول ابن الصلاح في فتاويه قال الجلال البلقيني وهو الذي اختاره الكبيرة كل ذنب عظم عظما يصح معه أن يطلق عليه اسم الكبيرة ويوصف بكونه عظيما على الإطلاق
ولها أمارات منها إيجاب الحد ومنها الإيعاد عليه بالعذاب بالنار ونحوها في الكتاب أو السنة ومنها وصف فاعلها بالفسق ومنها اللعن انتهى
ولخصه كالذي قبله شيخ الإسلام البارزي في تفسيره الذي على الحاوي فقال والتحقيق أن الكبيرة كل ذنب قرن به وعيد أو لعن بنص كتاب أو سنة أو علم أن مفسدته كمفسدة ما قرن به وعيد أو حد أو لعن أو أكثر من مفسدته أو أشعر بتهاون مرتكبه في دينه إشعار أصغر الكبائر المنصوص عليها بذلك كما لو قتل من يعتقده معصوما فظهر أنه مستحق لدمه أو وطيء امرأة ظنا أنه زان بها فإذا هي زوجته أو أمته انتهى وما ذكره آخرا سبقه إليه ابن عبد السلام في قواعده وما ذكره أولا يؤيده قول ابن عباس الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب رواه عنه ابن جرير
واعلم أن كل ما سبق من الحدود إنما قصدوا به التقريب فقط وإلا فهي ليست بحدود جامعة وكيف يمكن ضبط ما لا طمع في ضبطه
وذهب آخرون إلى تعريفها