إعلاما لهم بذلك لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ثم يقول كيف يذم الكفار على شيء خلقه فيهم وأي ذنب لهم حينئذ حتى يعذبهم عليه ونحو ذلك من الخرافات المنبئة عن الخروج عن حيز العبودية والخضوع للحق والرضا بقسمته تعالى وكفى هؤلاء هذه المهاوي السخيفة التي وقعوا فيها فضلوا وأضلوا وعاندوا ولجوا ولو تأملوا ما هم عليه لوجدوا أنفسهم آخذين بحجزة قول الكفار وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه قال تعالى جوابا لهم إن أنتم إلا في ضلال مبين فكذا أولئك أعاذنا الله من مضلات الآراء وغوائل الفتن وأصلح منا ما ظهر وجميع ما بطن إنه الجواد الكريم الرءوف الرحيم
الكبيرة الثالثة والخمسون عدم الوفاء بالعهد قال الله تعالى وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا
وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود قال ابن عباس بالعهود وهي ما أحل الله وحرم وما فرض وما حد في جميع الأشياء وكذا قال مجاهد وغيره ومن ثم قال الضحاك هي التي أخذ الله على هذه الأمة أن يوافوا بها مما أحل وحرم ومما فرض من الصلاة وغيرها وهذا أولى من قول ابن جريج إنه في أهل الكتاب
أي يا أيها الذين آمنوا بالكتب المتقدمة أوفوا بالعقود التي أخذت عليكم في شأن محمد صلى الله عليه وسلم التي من جملتها وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ومن قول قتادة أراد بها الحلف الذي تعاقدوا عليه في الجاهلية قال الزجاج والعقود أوكد العهود
إذ العهود إلزام والعقود إلزام على سبيل الإحكام والاستيثاق من عقد الشيء بغيره وصله به كما يعقد الحبل بالحبل ولما كان الإيمان هو المعرفة بالله وصفاته وأحكامه ومن جملتها أنه يجب على الخلق إظهار الانقياد لله تعالى في جميع التكاليف أمر بالوفاء بالعقود
والمعنى أنكم قد التزمتم بإيمانكم أنواع العقود وإظهار الطاعة لله تعالى في سائر أوامره ونواهيه فأوفوا بتلك العهود
قال ابن شهاب قرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران وفي صدره هذا بيان من الله ورسوله يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود إلى سريع الحساب فالمقصود التكاليف فعلا وتركا وسميت عقودا لأنه تعالى عقد أمرها وحتمه وأوثقه فلا انحلال له وقل هي العقود التي يتعاقدها الناس بينهم والدليل على ما اخترناه فيما مر أنها