فهرس الكتاب

الصفحة 361 من 990

كالإنفاق على نفسه وأهله

وبالآية الثانية أن من تصدق بشيء من أنواع الصدقات اشترط لنيله ذلك الثواب العظيم الذي أعده الله سبحانه وتعالى للمنفقين والمتصدقين أن يسلم إنفاقه وصدقته من المن بها على المعطى في الثاني وعلى الله وعلى رسوله وعلى المؤمنين في الأول كما أشار إليه القفال بقوله وقد يكون هذا الشرط أي عدم المن والأذى معتبرا أيضا فيمن أنفق على نفسه كمن ينفق على نفسه في الجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم ابتغاء مرضاة الله تعالى ولا يمن به على النبي والمؤمنين ولا يؤذي أحدا من المؤمنين مثل أن يقول لو لم أحضر لما تم هذا الأمر أو يقول لغيره أنت ضعيف لا منفعة بك في الجهاد

ثم إن المن هو أن يعدد نعمته على الآخذ أو يذكرها لمن لا يحب الآخذ اطلاعه عليه وقيل هو أن يرى أن لنفسه مزية على المتصدق عليه بإحسانه إليه ولذلك لا ينبغي أن يطلب منه دعاء ولا يطمع فيه لأنه ربما كان في مقابلة إحسانه فيسقط أجره وأصل المن القطع ولذلك يطلق على النعمة لأن المنعم يقطع من ماله قطعة للمنعم عليه

والمنة النعمة أو النعمة الثقيلة ومنه وصفه تعالى بالمنان أي المنعم ومنه وإن لك لأجرا غير ممنون أي غير مقطوع

وتسمية الموت منونا لأنه يقطع الحياة والأذى هو أن ينهره أو يعيره أو يشتمه فهذا كالمن مسقط لثوابه وأجره كما أخبر الله تعالى وإنما كان المن من صفاته تعالى العلية ومن صفاتنا المذمومة لأنه منه تعالى إفضال وتذكير بما يجب على الخلق من أداء واجب شكره ومنا تعيير وتكدير إذ آخذ الصدقة مثلا منكسر القلب لأجل حاجته إلى غيره معترف له باليد العليا فإذا أضاف المعطي إلى ذلك إظهار إنعامه تعديدا عليه أو ترفعا أو طلبا لمقابلته عليه بخدمة أو شكر زاد ذلك في مضرة الآخذ وانكسار قلبه وإلحاق العار والنقص به وهذه قبائح عظيمة على أن فيه أيضا النظر إلى أن له ملكا وفضلا وغفلة عن أن الله هو المالك الحقيقي وهو الذي يسر الإعطاء وأقدر عليه

فوجب النظر إلى جناب الحق والقيام بشكره على ذلك والإعراض عما يؤدي إلى منازعة الحق في فضله ووجوده إذ لا يمن إلا من غفل أن الله تعالى هو المعطي والمتفضل

و منا في الآية مفعول أول و أذى عطف عليه وأبعد بعضهم فجعله اسم لا وخبرها محذوف

والمعنى ولا أذى حاصل له بالإنفاق فيكون من صفات المنفق بمعنى أنه يشترط أن لا يتأذى بالإخراج ومما يرد هذا التكلف البعيد تنوين أذى إذ المشهور في اسم لا عدم تنوينه لبنائه على الفتح وليس ظاهر الآية أنه لا يبطل الأجر إلا وجود المن والأذى معا دون أحدهما لأن مدلول منا ولا أذى أنه لا بد من انتفاء كل منهما على أن قضية كلام سفيان أنهما متلازمان فإنه قال هما أن يقول قد أعطيتك فما شكرت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت