منكم فبين الله أن التجارة لا تحمد ولا تحل إلا إن صدرت عن التراضي من الجانبين والتراضي إنما يحصل حيث لم يكن هناك غش ولا تدليس
وأما حيث كان هناك غش وتدليس بحيث أخذ أكثر مال الشخص وهو لا يشعر بفعل تلك الحيلة الباطلة معه المبنية على الغش ومخادعة الله ورسوله فذلك حرام شديد التحريم موجب لمقت الله ومقت رسوله وفاعله داخل تحت الأحاديث السابقة والآتية
فعلى من أراد رضا الله ورسوله وسلامة دينه ودنياه ومروءته وعرضه وأخراه أن يتحرى لدينه وأن لا يبيع شيئا من تلك البيوع المبنية على الغش والخديعة وأن يبين وزن ذلك الظرف للمشتري على التحرير والصدق ثم إذا بين له وزنه جاز له أن يبيعه الظرف والمظروف بثمن واحد حتى قال الفقهاء لو بين له ظرف المسك وزنته بأن قال هذا الظرف عشرة أمنان وهذا المسك عشرون منا وبعتك هذه الثلاثين منا بألف
فاشترى بعد الرؤية والتقليب جاز هذا البيع وكان بيعا مبرورا لسلامته من سائر وجوه الغش والخيانة والتدليس لأنه بعد أن يبين وزن الظرف ووزن المسك فلا حرج عليه أن يبيع المن من الجميع بألف أو مائة درهم وإنما النار الموقودة والقبيحة المهلكة في الدنيا والآخرة ما ذكره السائل عمن يدلس في الظرف فيجعله بصورة خفيف في الظاهر وهو ثقيل جدا في نفسه
ثم يبيع الكل بثمن وسعر واحد مع جهل المشتري بظنه وكون البائع تحيل عليه حتى ظن أن وزنه يسير والحال أنه كثير
هذا حاصل ما يتعلق بالمسألة الأولى أعني بيع الظرف والمظروف بثمن واحد
وأما ما ذكره السائل في صور الغش الكثيرة من تلك الأمور العجيبة التي لا يحكى نظيرها عن الكفار فضلا عن المؤمنين بل المحكي عن الكفار لعنهم الله أنهم يتجرون في بياعاتهم ولا يفعلون فيها ذلك الغش الكثير الظاهر المحكي في السؤال فذلك أعني ما حكي من صور ذلك الغش التي يفعلها التجار والعطارون والبزازون والصواغون والصيارفة والحياكون وسائر أرباب البضائع والمتاجر والحرف والصنائع كله حرام شديد التحريم موجب لصاحبه أنه فاسق غشاش خائن يأكل أموال الناس بالباطل ويخادع الله ورسوله وما يخادع إلا نفسه لأن عقاب ذلك ليس إلا عليه
وكثرة ذلك تدل على فساد الزمان وقرب الساعة وفساد الأموال والمعاملات ونزع البركات من المتاجر والبياعات والزراعات بل ومن الأراضي المزروعات وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم ليس القحط أن لا تمطروا وإنما القحط أن تمطروا ولا يبارك لكم فيه أي بواسطة تلك القبائح والعظيمات التي أنتم عليها في تجاراتكم ومعاملاتكم ولهذه القبائح التي ارتكبها التجار والمتسببون وأرباب الحرف والصنائع سلط الله عليهم الظلمة فأخذوا أموالهم وهتكوا