كلهم بمنزلة البدن الواحد إذ اشتكى بعضه اشتكى كله
فمن عاب غيره ففي الحقيقة إنما عاب نفسه نظرا لذلك وأيضا فتعييبه للغير تسبب إلى تعييب الغير له فكأنه الذي عاب نفسه فهو على حد الخبر الآتي لا يسبن أحدكم أباه قالوا وكيف يسب الرجل أباه يا رسول الله قال يسب أبا الرجل فيسب أباه وعلى حد قوله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم وغاير بين صيغتي تلمزوا وتنابزوا لأن الملموز قد لا يقدر في الحال على عيب يلمز به لامزه فيحتاج إلى تتبع أحواله حتى يظفر ببعض عيوبه بخلاف النبز فإن من لقب بما يكره قادر على تلقيب الآخر بنظير ذلك حالا فوقع التفاعل ومعنى بئس الاسم إلخ أن من فعل إحدى الثلاثة استحق اسم الفسق وهو غاية النقص بعد أن كان كاملا بالإيمان
وضم تعالى إلى هذا الوعيد الشديد قوله ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون للإشارة إلى عظمة إثم كل واحد من تلك الثلاثة ثم عقب تعالى بأمره باجتناب الظن وعلل ذلك بأن بعض الظن إثم وهو ما تخيلت وقوعه من غيرك من غير مستند يقيني لك عليه وقد صمم عليه قلبك أو تكلم به لسانك من غير مسوغ شرعي ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث
فالعاقل إذا وقف أمره على اليقين قلما يتيقن في أحد عيبا يلمزه به لأن الشيء قد يصح ظاهرا لا باطنا وعكسه فلا ينبغي حينئذ التعويل على الظن وبعض الظن ليس بإثم بل منه ما هو واجب كظنون المجتهدين في الفروع المترتبة على الأدلة الشرعية فيلزمهم الأخذ بها
ومنه ما هو مندوب ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ظنوا بالمؤمن خيرا وما هو مباح وقد يكون هو الحزم والرأي وهو محمل خبر إن من الحزم سوء الظن أي بأن يقدر المتوهم واقعا كمطل معامله الذي يجهل حتى يسلم بسبب ذلك من أن يلحقه أذى من غيره أو خديعة فنتيجة هذا الظن ليس إلحاق النقص بالغير