فهرس الكتاب

الصفحة 523 من 990

لا يحسن من العاقل أكل لحوم الناس لا يحسن منه قرض عرضهم بالطريق الأولى لأنه آلم ووجه الآكدية في لحم أخيه أن الأخ لا يمكنه مضغ لحم أخيه فضلا عن أكله بخلاف العدو فإنه يأكل لحم عدوه من غير توقف منه في ذلك واندفع بميتا الحال من لحم أو أخيه ما قد يقال إنما تحرم الغيبة في الوجه لأنها التي تؤلم حينئذ بخلافها في الغيبة فإنه لا اطلاع للمغتاب عليها ووجه اندفاع هذا أن أكل لحم الأخ وهو ميت لا يؤلم أيضا ومع ذلك هو في غاية القبح كما أنه لو فرض الاطلاع لتألم به فإن الميت لو أحس بأكل لحمه لآلمه فكذا الغيبة تحرم في الغيبة لأن المغتاب لو اطلع عليها لتألم وأيضا ففي العرض حق مؤكد لله تعالى

فلو فرض أن الغيبة وقعت بحيث لا يمكن المغتاب العلم بها حرمت أيضا رعاية لحق الله تعالى وفطما للناس عن الأعراض والخوض فيها بوجه من الوجوه اللهم إلا للأسباب الآتية لأنها محل ضرورة فتباح حينئذ لأجل الضرورة كما أشارت الآية إلى ذلك أيضا بذكر ميتا إذ لحم الميت إنما يحل للضرورة إلحاقه حتى لو وجد المضطر ميتة أخرى مع ميتة الآدمي لم تحل له ميتة الآدمي بخلاف ما لو لم يجد إلا ميتة الآدمي

وقوله تعالى فكرهتموه تقديره فقد كرهتم ذلك الأكل أو اللحم فلا تفعلوا ما هو شبيه به وإلى هذا يؤول قول مجاهد لما قيل لهم أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا قالوا لا قيل فكرهتموه أي فكما كرهتم هذا فاجتنبوا ذكره بالسوء

لا يحب أحدكم أكل ذلك إذا همزه أيحب للإنكار فكرهتموه إذا فاكرهوا هذا كذلك وقيل المعطوف عليه فكرهتموه محذوف أي عرض عليكم ذلك فكرهتموه أي يعرض عليكم فتكرهونه ويصح أن يكون ضمير فكرهتموه للميت وكأنه صفة له فحينئذ يفيد زيادة مبالغة في التحذير أي أن الميتة وإن أكلت في الندرة لكنها إذا أنتنت كرهها كل أحد ويفر منها بحيث يبعد عن محلها ولا يستطيع دخوله فكيف يقربه بحيث يأكله

فكذا حال الغيبة ينبغي المباعدة عنها كنهي عن الميتة المتغيرة فتأمل ما أفادته هذه الآية والتي قبلها وأمعن فكرك فيه تغنم وتسلم والله تعالى بحقائق تنزيله أعلم وتأمل أيضا أنه تعالى ختم كلا من الآيتين بذكر التوبة رحمة بعباده وتعطفا عليهم لكن لما بدئت الأولى بالنهي ختمت بالنفي ومن لم يتب لتقاربهما ولما بدئت الثانية بالإثبات بالأمر في اجتنبوا ختمت به في إن الله إلخ وكأن حكمة ذلك التهديد الشديد في الأولى فقط بقوله تعالى ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون أن ما فيها أفحش لأنه إيذاء في الحضرة بالسخرية أو اللمز أو النبز بخلافه في الآية الثانية فإنه بأمر خفي إذ كل من الظن والتجسس والغيبة يقتضي الإخفاء وعدم العلم به غالبا

وإذا انتهى الكلام على بعض هاتين الآيتين المشتملتين على آداب وأحكام وحكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت