وأما قوله تعالى فأوردهم النار فما فيه نص أنه يدخلها معهم بل قال الله تعالى أدخلوا آل فرعون ولم يقل أدخلوا فرعون ورحمة الله أوسع من حيث أن لا يقبل إيمان المضطر وأي اضطرار أعظم من اضطرار فرعون في حال الغرق والله تعالى يقول أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء فقرن للمضطر إذا دعاه الإجابة وكشف السوء عنه فلم يكن عذابه أكثر من الغرق في الماء انتهى كلامه
فهل هذا الكلام مقرر أو مردود فما وجه رده قلت ليس هذا الكلام مقررا وإن كنا نعتقد جلالة قائله فإن العصمة ليست إلا للأنبياء
ولقد قال مالك رضي الله عنه وغيره ما من أحد إلا مأخوذ من قوله ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر يعني النبي صلى الله عليه وسلم على أنه قد نقل عن بعض كتب ذلك الإمام أنه صرح فيها بأن فرعون مع هامان وقارون في النار وإذا اختلف كلام إمام فيؤخذ منه بما يوافق الأدلة الظاهرة ويعرض عما خالفها بل قد مر لك أن الآية وحديث الترمذي الصحيح صريحان في بطلان الإيمان عند اليأس فلا يلتفت بعد ذلك إلى ما مر من تأويل فلم يك ينفعهم إيمانهم بأن النافع هو الله وأيضا فمما يبطل هذا التأويل أن اصطلاح القرآن والسنة إضافة الأشياء إلى أسبابها
فإذا قيل لا ينفع الإيمان فليس معناه الشرعي إلا الحكم عليه بأنه باطل لا يعتد به وأي معنى مسوغ لهذا القائل أن يخص نفع الله بهذه الحالة التي هي حالة وقوع العذاب مع النظر إلى ما هو الواقع الحق من أن الله هو النافع حقيقة في كل وقت ولو نفعهم الله لما استأصلهم بالعذاب
وقوله تعالى وخسر هنالك الكافرون دليل واضح على أن المراد فلم يك ينفعهم إيمانهم أنهم باقون مع ذلك الإيمان على الكفر وكفى بتفسير أئمة الصحابة والتابعين فمن بعدهم الموافق للحديث الصحيح وللإجماع السابقين الآية بما يوافق ما ذكرناه وإذا ثبت واتضح أنه لا يصح إيمان اليأس ثبت أن إيمان فرعون لا يصح على أننا قدمنا أننا لو قلنا بصحة إيمان اليأس فالآية دالة على أنه لا يصح إيمانه أيضا لعدم إيمانه بموسى وهارون صلى الله عليهما وسلم بخلاف السحرة ومن تأمل صيغة إيمانهم المحكيتين عنهما في القرآن علم اتضاح ما بين الإيمانين فلا يصغ إلى قياس أحدهما على الآخر وقوله إنه لجأ إلى ما أعطاه باطنه مما كان عليه من الذلة والافتقار عجيب وأي ذلة وافتقار كان عليهما باطنه وهو ينكر ربوبية رب الأرباب ويعتقد أنه الإله المطلق والرب الأكبر يؤذي موسى ويكذبه ويعانده