تنبيه عد الثلاثة الأول من الكبائر ظاهر أما الأولان فلأنهما من أكل أموال الناس بالباطل وخبر أبو داود السابق صريح في الأول للتعبير فيه بقوله دخل سارقا وخرج مغيرا ولم يضعفه أبو داود فهو صالح للاحتجاج به عنده لكن قال غيره إن فيه مجهولا ومختلفا في توثيقه والجمهور على تضعيفه وأما الثالث فلأنه من إضرار النفس وهو كبيرة كإضرار الغير وكذا عد الرابعة قياسا على ما مر في اللباس بما فيه من أن تطويل الإزار للخيلاء كبيرة بجامع أن كلا منهما ينبئ عن العجب والزهو والكبر وعلى هذا الشبع المضر أو من مال الغير يحمل ما في هذه الأحاديث من الوعيد ويؤيد ذلك قول الحليمي في قوله تعالى أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون الآية
هذا الوعيد من الله تعالى وإن كان للكفار الذين يقدمون على الطيبات المحظورة ولذلك قال تعالى فاليوم تجزون عذاب الهون فقد يخشى مثله على المنهمكين في الطيبات المباحة لأن من تعودها مالت نفسه إلى الدنيا فلم يأمن أن يرتكب في الشهوات والملاذ كلما أجاب نفسه إلى واحد منها دعته إلى غيره فيصير إلى أن لا يمكنه عصيان نفسه في هوى قط وينسد باب العبادة دونه فإذا آل الأمر إلى هذا لم يبعد أن يقال له أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون فلا ينبغي أن تعود النفس بما تميل به إلى الشره فيصعب تداركها ولترض من أول الأمر على السداد فإن ذلك أهون من أن تدب على الفساد ثم يجتهد في إعادتها إلى الصلاح والله أعلم
انتهى ثم رأيت في كلام الأذرعي والزركشي ما يؤيد ما ذكرته في التطفل وذلك أنه لما حكى قول الشافعي رضي الله عنه في الأم من يغشى الدعوة بغير دعاء من غير ضرورة ولا يستحل صاحب الطعام فتتابع ذلك منه ردت شهادته لأنه يأكل محرما إذا كانت الدعوة دعوة رجل بعينه فأما إذا كان طعام سلطان أو رجل يتشبه بسلطان فيدعو الناس فهذا طعام عامة ولا بأس به
انتهى بلفظه
قال وفي الروضة عن الشامل إنما اشترط تكرار ذلك منه لأنه قد يكون له شبهة حتى يمنعه صاحب الطعام فإذا تكرر صار دناءة وقلة مروءة انتهى
ثم قال ما نقله عن ابن الصباغ من أن الشافعي إنما اشترط التكرار في حضور الدعوة لأنه يصير دناءة وقلة مروءة بخلاف ما يقتضيه كلام الشافعي فإنه علل الرد بأنه يأكل محرما
وهذا يقتضي أن العلة في الرد من جهة إصراره على الصغيرة فإنها تصير في حكم الكبيرة لا من جهة ترك المروءة فإنها لا تقتضي التحريم ولا شك أنه مشتمل على الأمرين وهذا في الأكل المجرد أما لو انضم إلى ذلك انتهاب الطعام النفيس والحلو أو حمله كما يفعله السفلة ويشق ذلك على الحاضرين