فهرس الكتاب

الصفحة 692 من 990

أن ذلك الكفر القبيح إنما هو لاحق بهم بقوله تبارك وتعالى ولكن الشياطين كفروا والسحر لغة كل ما لطف ودق من سحره إذا أبدى له أمرا فدق عليه وخفي ومنه فلما ألقوا سحروا أعين الناس وهو مصدر شاذ إذ لم يأت مصدر لفعل يفعل بفتح عينه فيهما على فعل بكسر فسكون إلا هذا وفعل والسحر بفتح أوله الغذاء لخفائه والرئة وما تعلق بالحلقوم وهو يرجع لمعنى الخفاء أيضا ومنه قول عائشة رضي الله عنها توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري وقوله تعالى إنما أنت من المسحرين معناه من المخلوقين الذي يطعمون ويشربون بدليل قوله ما أنت إلا بشر مثلنا أي وما أنت إلا ذو سحر مثلنا

وشرعا يختص بكل أمر يخفى سببه وعمل على غير حقيقته ويجري مجرى التمويه والخداع وحيث أطلق فهو مذموم وقد يستعمل مقيدا فيما ينفع ويمدح ومنه قوله صلى الله عليه وسلم إن من البيان لسحرا أي لأن صاحبه يوضح المشكل ويكشف عن حقيقته بحسن بيانه وبليغ عبارته والقول بأنه خرج مخرج الذم للفصاحة والبلاغة إذ شبهه بالسحر بعيد واستدل بما لا دلالة فيه وهو قوله صلى الله عليه وسلم فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض

وقوله إن أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون

الثرثرة كثرة الكلام وترديده يقال ثرثر الرجل فهو ثرثار مهذار والمتفيهقون نحوه ويقال فلان يتفيهق في كلامه إذا توسع وتنطع نعم

نقل هذا القول أعني أن ذلك ذم عن عامر الشعبي راوي الحديث وصعصعة بن صوحان فقال أما قوله صلى الله عليه وسلم إن من البيان لسحرا فالرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق وهو عليه وإنما يحمد العلماء البلاغة واللسان ما لم تخرج إلى حد الإطناب والإسهاب وتصوير الباطل في صورة الحق وعلى القول الأول أعني أن ذلك مدح للفصاحة المبينة للحق والرافعة لأشكاله فإنما سمي ما يوضح الحق سحرا وهو إنما قصد به إظهار الخفاء لا إخفاء الظاهر عكس ما يدل عليه لفظ السحر لأن ذلك القدر للطفه وحسنه استمال القلوب فأشبه السحر الذي يستميل القلوب من هذا الوجه

وأيضا فالقادر على البيان يكون غالبا قادرا على تحسين القبيح وتقبيح الحسن فأشبه السحر من هذا الوجه أيضا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت