أن ذلك الكفر القبيح إنما هو لاحق بهم بقوله تبارك وتعالى ولكن الشياطين كفروا والسحر لغة كل ما لطف ودق من سحره إذا أبدى له أمرا فدق عليه وخفي ومنه فلما ألقوا سحروا أعين الناس وهو مصدر شاذ إذ لم يأت مصدر لفعل يفعل بفتح عينه فيهما على فعل بكسر فسكون إلا هذا وفعل والسحر بفتح أوله الغذاء لخفائه والرئة وما تعلق بالحلقوم وهو يرجع لمعنى الخفاء أيضا ومنه قول عائشة رضي الله عنها توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري وقوله تعالى إنما أنت من المسحرين معناه من المخلوقين الذي يطعمون ويشربون بدليل قوله ما أنت إلا بشر مثلنا أي وما أنت إلا ذو سحر مثلنا
وشرعا يختص بكل أمر يخفى سببه وعمل على غير حقيقته ويجري مجرى التمويه والخداع وحيث أطلق فهو مذموم وقد يستعمل مقيدا فيما ينفع ويمدح ومنه قوله صلى الله عليه وسلم إن من البيان لسحرا أي لأن صاحبه يوضح المشكل ويكشف عن حقيقته بحسن بيانه وبليغ عبارته والقول بأنه خرج مخرج الذم للفصاحة والبلاغة إذ شبهه بالسحر بعيد واستدل بما لا دلالة فيه وهو قوله صلى الله عليه وسلم فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض
وقوله إن أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون
الثرثرة كثرة الكلام وترديده يقال ثرثر الرجل فهو ثرثار مهذار والمتفيهقون نحوه ويقال فلان يتفيهق في كلامه إذا توسع وتنطع نعم
نقل هذا القول أعني أن ذلك ذم عن عامر الشعبي راوي الحديث وصعصعة بن صوحان فقال أما قوله صلى الله عليه وسلم إن من البيان لسحرا فالرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق وهو عليه وإنما يحمد العلماء البلاغة واللسان ما لم تخرج إلى حد الإطناب والإسهاب وتصوير الباطل في صورة الحق وعلى القول الأول أعني أن ذلك مدح للفصاحة المبينة للحق والرافعة لأشكاله فإنما سمي ما يوضح الحق سحرا وهو إنما قصد به إظهار الخفاء لا إخفاء الظاهر عكس ما يدل عليه لفظ السحر لأن ذلك القدر للطفه وحسنه استمال القلوب فأشبه السحر الذي يستميل القلوب من هذا الوجه
وأيضا فالقادر على البيان يكون غالبا قادرا على تحسين القبيح وتقبيح الحسن فأشبه السحر من هذا الوجه أيضا