فهرس الكتاب

الصفحة 784 من 990

العقل الذي هو أشرف صفات الإنسان وإذا كانت الخمر عدوة للأشرف لزم أن تكون أخس الأمور لأن العقل إنما سمي عقلا لأنه يعقل أي يمنع صاحبه عن القبائح التي يميل إليها بطبعه فإذا شرب الخمر زال ذلك العقل المانع عن القبائح وتمكن إلفها وهو الطبع منها فارتكبها وأكثر منها حتى يرتد إليه عقله

ذكر ابن أبي الدنيا أنه مر بسكران وهو يبول في يده ويغسل به يده كهيئة المتوضئ ويقول الحمد لله الذي جعل الإسلام نورا والماء طهورا

وعن العباس بن مرداس أنه قيل له في الجاهلية لم لا تشرب الخمر فإنها تزيد في حرارتك فقال ما أنا بآخذ جهلي بيدي فأدخله في جوفي ولا أرضى أن أصبح سيد قومي وأمسي سفيههم

ومنه صدها عن ذكر الله وعن الصلاة وإيقاعها العداوة والبغضاء كما ذكره الله تعالى في آية المائدة ومنه أن هذه المعصية من خواصها أن الإنسان إذا ألفها اشتد ميله إليها وكاد أن يستحيل مفارقته لها بخلاف أكثر المعاصي

وأيضا فمتعاطيها لا يمل منها بخلاف سائر المعاصي ألا ترى أن الزاني تفتر رغبته من مرة وكلما زاد زاد فتوره والشارب كلما زاد زاد نشاطه واستغرقته اللذة البدنية فأعرض عن تذكر الآخرة وجعلها خلف ظهره نسيا منسيا فكان من الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون

وبالجملة إذا زال العقل حصلت الخبائث بأسرها ولذلك قال صلى الله عليه وسلم اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث

ومن منافعها المذكورة فيها أنهم كانوا يتغالون فيها إذا جلبوها من النواحي وكان المشتري إذا ترك المماكسة في شرائها عدوه فضيلة له ومكرمة فكانت أرباحهم تكثر بسبب ذلك ومنها أن تقوي الضعيف وتهضم الطعام وتعين على الباه وتسلي المحزون وتشجع الجبان وتصفي اللون وتنعش الحرارة الغريزية وتزيد في الهمة والاستعلاء ثم لما حرمت سلبها جميع هذه المنافع وصارت ضررا صرفا وموتا حتفا أعاذنا الله من معاصيه بمنه وكرمه

وجاء في السنة الغراء تشديد عظيم في شرب الخمر وبيعها وشرائها وعصرها وحملها وأكل ثمنها وترغيب عظيم في ترك ذلك والتوبة منه

أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن زاد مسلم في رواية له وأبو داود آخره ولكن التوبة معروضة بعد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت