الخصومة بكلمات تؤذي وليس له إليها ضرورة في التوصل له إلى غرضه فهذا هو المذموم بخلاف المظلوم الذي ينصر حجته بطريق الشرع من غير لدد وإسراف وزيادة لجاج على الحاجة من غير قصد عناد ولا إيذاء ففعله هذا ليس مذموما ولا حراما لكن الأولى تركه ما وجد إليه سبيلا لأن ضبط اللسان في الخصومة على حد الاعتدال متعذر والخصومة توغر الصدور وتهيج الغضب فإذا هاج الغضب حصل الحقد بينهما حتى يفرح كل واحد منهما بمساءة الآخر ويحزن بمسرته ويطلق اللسان في عرضه فمن خاصم فقد تعرض لهذه الآفات وأقل ما فيها اشتغال القلب حتى إنه يكون في صلاته وخاطره معلقا بالمحاججة والخصومة فلا يبقى حاله على الاستقامة والخصومة مبدأ الشر وكذا المراء والجدال فينبغي للإنسان أن لا يفتح عليه باب الخصومة إلا لضرورة لا بد منها وعند ذلك يحفظ لسانه وقلبه عن آفاتها
قال بعض المتأخرين وعدم قبول شهادة وكلاء القاضي مسألة غريبة انتهى
ولا غرابة فيها بالنسبة لأكثر وكلاء القضاة الآن لانطوائهم في وكالاتهم على مفاسد قبيحة شنيعة وكبائر بل فواحش فظيعة
قال الغزالي ومما يذم المراء والجدال والخصومة فالمراء طعنك في كلام لإظهار خلل فيه لغير غرض سوى تحقير قائله وإظهار مرتبتك عليه والجدال هو ما يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها والخصومة لجاج في الكلام ليستوفي به مالا أو غيره ويكون تارة ابتداء وتارة اعتراضا والمراء لا يكون إلا اعتراضا
وقال النووي الجدال قد يكون بحق بأن يكون للوقوف على الحق وإظهاره وتقريره وقد يكون بباطل بأن يكون لمدافعة حق أو بغير علم قال تعالى ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن وقال وجادلهم بالتي هي أحسن وقال تعالى ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا
وعلى ذلك التفصيل تتنزل هذه النصوص وغيرها مما ورد في مدحه تارة وذمه أخرى
فائدة نقل الشيخان عن صاحب العدة أن من الصغائر كثرة الخصومات وإن كان الشخص محقا
قال الأذرعي وقد فهما منه أنه أراد بالصغائر المعاصي التي يأثم فاعلها كما هو المتبادر والمشهور في اصطلاح الفقهاء ويجوز أن لا يريد ذلك بل أراد عد جملة منه ومن غيره مما ترد به الشهادة وإن لم يأثم به وسيأتي ما يؤيده إذ يبعد أن يقال بتأثيم المحق في الخصومة إلا أن يقال من أكثر الخصومات وقع في الإثم
انتهى
وذكره