أثناء تعليل ومحل ذلك إن خلت عن الضرورة والحد فقد قال الأذرعي قد تكون الكذبة الواحدة كبيرة وذكر في البحر حديثا مرسلا أنه صلى الله عليه وسلم أبطل شهادة رجل في كذبة كذبها
واعلم أن الكذب قد يباح وقد يجب والضابط كما في الإحياء أن كل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعا فالكذب فيه حرام وإن أمكن التوصل بالكذب وحده فمباح إن أبيح تحصيل ذلك المقصود وواجب إن وجب تحصل ذلك كما لو رأى معصوما اختفى من ظالم يريد قتله أو إيذاءه فالكذب هنا واجب لوجوب عصمة دم المعصوم وكذا لو سأل عن وديعة يريد أخذها فيجب إنكاره وإن كذب بل لو استحلف لزمه الحلف ويوري وإلا حنث ولزمته الكفارة ومهما كان لا يتم مقصود حرب أو إصلاح ذات البين أو استمالة قلب المجني عليه إلا بالكذب فالكذب فيه مباح ولو سأله سلطان عن فاحشة وقعت منه سرا كزنا أو شرب خمر فله أن يكذب ويقول ما فعلت وله أيضا أن ينكر سر أخيه
قال الغزالي بعد ذكره ذلك وينبغي أن يقابل مفسدة الكذب بالمفسدة المترتبة على الصدق فإن كانت مفسدة الصدق أشد فله الكذب وإن كان بالعكس أو شك حرم الكذب وإن تعلق بنفسه استحب ألا يكذب وإن تعلق بغيره لم تجز المسامحة لحق غيره والحزم تركه حيث أبيح وليس من الكذب المحرم ما اعتيد من المبالغة كجئتك ألف مرة لأن المراد تفهيم المبالغة لا المرات فإن لم يكن جاء إلا مرة واحدة فهو كاذب انتهى ملخصا
وما قاله في المبالغة يدل له الخبر الصحيح وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه ومعلوم أنه يضعها كثيرا وما قاله من وجوب الحلف في مسألة الوديعة ضعيف والأصح عدم وجوبه وما ذكره في المباح يؤيده ما في الحديث من استثناء ما فيه صلح بين اثنين أو رجل وامرأة أو في الحرب بأن يوري بغير الجهة التي هو قاصدها أو في الزوجة لإرادة إمضائها به ومما يستثنى أيضا الكذب في الشعر إذا لم يمكن حمله على المبالغة فلا يلحق بالكذب في رد الشهادة قال القفال والكذب حرام بكل حال إلا أن يكون على طريق الشعراء والكتاب في المبالغة كقوله أنا أدعو لك ليلا ونهارا ولا أخلي مجلسا عن شكرك لأن الكاذب يظهر أن الكذب صدق ويروجه وليس غرض الشاعر الصدق في شعره وإنما هو صناعة وعلى هذا فلا فرق بين القليل والكثير
قال الشيخان بعد نقلهما ذلك عن القفال والصيدلاني وهذا حسن بالغ
انتهى
وسيأتي لذلك تتمات في مبحث الشعر
قال في الخادم وحيث جاز الكذب فهل تشترط التورية أو تجوز مطلقا يتجه تخريج خلاف فيه مما إذا أكره على الطلاق وقدر على التورية هل يشترط أن ينوي غيره