اللذات الحاصلة تدعو إليها فلهذا حرم شرب قليلها
وكونها في قريب العهد يشربها تذكره مجالس الشرب والذكر سبب انبعاث الفسوق وانبعاثه سبب للإقدام
وكون الاجتماع على الأوتار صار من عادة أهل الفسق مع التشبه بهم ومن تشبه بقوم فهو منهم
انتهى
إذا تقرر ذلك فقد حكيت آراء باطلة وآراء ضعيفة مخالفة للاتفاق المذكور منها قول ابن حزم لم يصح في تحريم العود حديث وقد سمعه ابن عمر وابن جعفر رضي الله عنهم وهو من جموده على ظاهريته الشنيعة القبيحة كيف والعود من جملة المعازف وقد صح في تحريمها الحديث المذكور آنفا وما زعمه عن هذين الإمامين ممنوع ولا يثبت ذلك عنهما وحاشاهما من ذلك مع شدة ورعهما وتحريمهما واتباعهما وبعدهما من اللهو
ولئن سلم ما زعمه ابن حزم في ذلك الحديث ففي عموم الأحاديث الناصة على ذم البدع والمحدثات وإنكارها ما يدل على تحريمه دلالة لا مدفع لها
وقد قال الماوردي من أجلة أصحابنا كان بعض أصحابنا يخص العود بالإباحة من بين الأوتار ولا يحرمه لأنه موضوع على حركات تنفي الهم وتقوي الهمة وتزيد في النشاط
قال الماوردي وهذا لا وجه له انتهى
وتقول الماوردي في رد هذا الوجه لا وجه له تندفع منازعة الإسنوي الشيخين في نفيهما الخلاف في الأوتار
ووجه الاندفاع أنه شاذ مناف للدليل فكان في حيز الطرح والإعراض عنه وعدم الاعتداد به على قول الإسنوي في حكاية هذا الوجه إطلاق الشيخين نفي الخلاف في الأوتار ليس كذلك فقد حكى الماوردي والروياني في البحر وجها أن العود بخصوصه حلال لما يقال إنه ينفع من بعض الأمراض معترض بأنه إذا كان معللا بنفعه لبعض الأمراض فينبغي تقييد الإباحة بمن به ذلك المرض دون غيره
وأيضا فإذا أبيح لحاجة المرض فلا ينبغي أن يقتصر على حكايته وجها بل يجزم بجوازه إذا انحصر التداوي فيه كما يجوز التداوي بالنجس حينئذ وقد جزم الحليمي في منهاجه بأن آلات اللهو إذا كانت تنفع من بعض الأمراض أبيح سماعها
قال ابن العماد وما قاله متعين
انتهى وهو كما قال وحينئذ فلا حقيقة لهذا الوجه فاتضح نفي الشيخين الخلاف في الأوتار وأنها كلها حرام بلا خلاف
وأما حكاية ابن طاهر عن صاحب التنبيه أنه كان يبيح سماع العود ويسمعه وأنه مشهور عنه وأن أحدا من علماء عصره لم ينكره عليه وأن حله هو ما أجمع عليه أهل المدينة فقد ردوه على ابن طاهر بأنه مجازف إباحي كذاب رجس العقيدة نجسها ومن ثم قال الأذرعي عقب كلامه هذا وهذه مجازفة وإنما فعل ذلك بالمدينة أهل المجانة والبطالة ونسبته ذلك إلى صاحب التنبيه كما رأيته في كتابه في السماع نسبة باطلة قطعا