فهرس الكتاب
المماليك، فيجبون على تلك التجارة ما شاءوا من المكوس، والضرائب الباهظة، ولم تكن فائدة مصر من مرور التجارة الشرقية بأرضها مقصورة على الضرائب الفادحة، بل إنها كانت تعمر الأسواق، فتنشط حركة البيع والشراء، ويثري التجار بدورهم، وقد استلزم تفاقم حركة النشاط التجاري بناء الخانات، والفنادق، والأسواق، وكانت هناك رقابة صارمة على حركتَي البيع والشراء في الأسواق، فكان المحتسبون يطوفون للتفتيش على الباعة، وضبط من يحاول التلاعب في الأسعار، أو الأوزان، وخاصة على الأطعمة، والمشروبات، وقد روعي في المحتسب دائما أن يكون ذا رأي وصرامة.
من المعروف أن المماليك كانوا من عناصر تركية، وشركسية، ورومية، ومغولية بيعوا في أسواق الرقيق، ومع أن هؤلاء المماليك كانوا في الأصل أرقاء، بيعوا في أسواق النخاسة، يتشرفون بالانتساب إلى أسيادهم الذين اشتروهم، أو التجار الذين باعوهم، فقد كانوا يتعالون على المصريين، ويشمخون بأنوفهم، فلا يخالطونهم، أو يتزوّجون منهم.
وكان المجتمع المصري، بناء على ذلك، منقسما إلى طبقَين رئيسين: طبقة الحكام والأسياد، الذين كانوا بالأمس أرقاء، بيعوا في أسواق الرقيق والنخاسة، وطبقة الشعب بفلاحيها وعمالها وتجارها.
وكان أغلب هؤلاء المماليك غلاظ الأكباد، أهل مكر وخداع، يشوب أخلاقهم كثير من الصلف والكبرياء.
وقد كان من المناظر المألوفة لسكان القاهرة، أن تنقلب شوارعها وأحياؤها بين عشية وضحاها إلى ميدان حرب بين أميرين وأنصارهما، فتقفر من
(1) القاهرة 152؛ العصر المماليكي في مصر والشام 320.