المارة، ويغلق التجار حوانيتهم خشية سلب ما بها من أموال وتجارة، ويتملك الناس الخوف والفزع، فيحتمون بأبواب الحارات والمساجد، أو في بيوتهم إلى أن تنجلي الغمة، وتمر العاصفة، وخيول الفريقين تروح وتغدو، وتكرّ وتفرّ، والجثث والأشلاء تتناثر هنا وهناك، ويظل سكان القاهرة نهبا للفزع، والرعب عدة أيام، حتى يزول الكرب بهزيمة أحد الفريقين، فيعود إلى المدينة عازب هدوئها، وسابق سكونها، ويرجع الناس إلى مزاولة أعمالهم ونشاطهم.
أما الشعب، وكان أغلبه من الفلاحين الذين يكدّون ويكدحون، فلم يكن يوجد مَن يهتمّ بأمرهم الاهتمام اللازم، فقد كانت الأمراض تحصد أفراده حصدا، لا سيما عندما ينخفض النيل، وينتشر القحط، ويعقب ذلك الوباء، فتقفر الأرض من الزرع والنبات، ويقلّ القوت، ويفتك الجوع بالناس، وتنهكهم الأمراض ولا يعودون إلى سابق نشاطهم وقوتهم إلا بعد فوات عدة سنوات.
وكان المماليك يعنون بأشخاصهم وأسرهم وأتباعهم وغلمانهم، فيعيشون عيشة البدخ والنعيم، ويحتفظون بالعدد الوفير من المماليك، وكانوا يميلون إلى اللهو والمرح، ويعقدون مجالس الشراب، ويقيمون الحفلات الكبيرة، ويكثرون من المواكب الرسمية في شتى المناسبات، كالخروج لصلاة الجمعة أو صلاة العيدين، والاحتفال بجبر الخليج، أو الخروج للعب الأكره أو الصيد.
وكان البلاط السلطاني في عهد المماليك مليئا بكبار الموظفين، وكل هؤلاء من الأمراء والمماليك، وليس بينهم مصري واحد.
قامت في مصر في عصر المماليك حركة علمية نشطة، وقد يبدو للوهلة
(1) القاهرة 170؛ العصر المماليكي في مصر والشام 341؛ المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك 141.