فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 286

الأولى أن في ذلك بعض الغرابة، لعدة أسباب، أهمها: كون البلاد نهبا للفتن، والثورات طوال مدة حكمهم، وكثرة الحروب مع الصليبيين والمغول وغيرهم، وتعرض البلاد للأوبئة والمجاعات بين الحين والآخر، لكن هذا كله لم يكن يقف حائلا دون قيام مثل هذه الحركة، وبخاصة أن الظروف كانت تحتم قيامها، فمعلوم أن المغول قضوا على بغداد سنة 656 هـ فأصيبت الحضارة العباسية بضربة قاصمة، قضتْ على جهود قرون عديدة، وقذف هولاكو بالكتب التي كانت تملأ مكتبات بغداد في نهر دجلة ليعبر عليها جنود النهر، فكان لنقل حاضرة الخلافة من بغداد إلى مصر أثره في انتقال الثقافة الإسلامية إليها، فأصبحت مصر محل سكن العلماء، ومحط رحال الفضلاء، فقصدها العلماء وطلاب العلم من مختلف الأقطار، شرقيّها غربيّها.

والواقع، أنه ما كان لهذا النشاط العلمي أن يزدهر في مصر في عصر المماليك لولا تشجيع بعض سلاطين المماليك للعلم والعلماء، وأعظم دليل على رعاية سلاطين المماليك للنشاط العلمي هو حرصهم على إنشاء كثير من المدارس، فضلا عن المؤسسات الأخرى، التي قامت أحيانا بوظيفة المدارس؛ ولم يقتصر إنشاء المدارس على سلاطين المماليك، بل إن كثيرا من الأمراء قاموا بإنشاء كثير من المدارس، وقد ثبّت أركان هذه المدارس، ودعم نظامها، ومكّنها من القيام برسالتها ما وقف عليها من أرضٍ وبيوتٍ وأسواق ومعاصر وغيرها، وقد بلغت الأراضي المحبوسة على المدارس والمساجد والزوايا في عهد الناصر محمد بن قلاوون مائة وثلاثين ألف فدان، وكان وظيفة التدريس جليلة القدر، يخلع السلطان على صاحبها، ويكتب له توقيعا من ديوان الإنشاء، يختلف باختلاف المواد التي يقوم بتدريسها.

وإذا كانت المدارس في ذلك العصر تمثل المعاهد أو الجامعات في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت