لا شك (1) - يكون هذا تفسيرا. وإذا قيل لك: فكيف تنفي الريب، وكم من مرتاب فيه؟ قلتَ في الجواب عنه: إنه في نفسه حقٌ وصدقٌ، ومتى نظر فيه، عُلِم أنه صدقٌ، فانتفى عنه الريب - يكون هذا تأويلا، فقس على هذا أمثال ما ذكر.
لا يقال: الحديث المذكور متروك، لأنه مخالف للإجماع؛ وذلك (2) أن السلف من الصحابة وغيرهم قد استنبطوا معاني القرآن بالرأي (3) ؛ فإنهم لم يجدوا في جميع ما ذكروا من الأقاويل، لكل قول آيةً محكمةً، ولا حديثا متواترا (4) ، ولا إجماع الأمة، ولا شك، أن ذلك الاستنباط تفسيرٌ للقرآن بالرأي، وقد أجمعوا على صحة ذلك الاستنباط (5) ، لأنَّا نقول: الممنوع هو القطع،
(1) انظر: تفسير الطبري (1/ 228) ؛ وتفسير القرطبي (1/ 159) ؛ وتفسير ابن كثير (1/ 70) ؛ والدر المنثور (1/ 24) .
(2) في"ط": (وذلك) مكررة.
(3) في حواشي"ب"،"د"،"هـ"،"ز": (لا سيما في الآيات التي تضمنت الأحكام التي بالناس حاجة إلى معرفتها، فاستنبطوا منها أصولا لبناء الفروع عليها) .
(4) في حواشي"ب"،"د"،"هـ": (حتى زيّفوا تصنيف مَن أفرد في كل آية من القرآن حديثا، وأنكروا أن يكون ذلك مرفوعا) .
(5) انظر: تفسير الطبري (1/ 75) ؛ وتفسير القرطبي (1/ 33) . قال القرطبي: (وقال بعض العلماء: إن التفسير موقوف على السماع، لقوله - تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] ، وهذا فاسد، لأن النهي عن تفسير القرآن لا يخلو: إما أن يكون المراد به: الاقتصار على النقل والمسموع وترك الاستنباط، أو المراد به: أمر آخر، وباطل أن يكون المراد به ألا يتكلم أحد في القرآن إلا بما سمعه، فإن الصحابة - رضي الله عنهم - قد قرأوا القرآن، واختلفوا في تفسيره على وجوه، وليس كل ما قالوه، سمعوه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا لابن عباس وقال: «اَللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّيْنِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيْلَ» . تفسير القرطبي(1/ 33) .