وأما الفرقة الثانية - وهم المتأخرون - فقد قالوا: إن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه (1) ، وأن الوقف على: {الْعِلْم} في قوله - تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: 7] ، لا على ما قبله، فإنه لو لم يكن للراسخين حظٌّ في العلم بالمتشابه سوى أن يقولوا: {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7] لم يكن لهم فضل على غيرهم؛ لأن غيرهم يقولون ذلك أيضا (2) .
ولهذا، لم يزل المفسرون قوما بعد قوم يفسرون ويؤولون (3) كل آية، من غير توقف في تفسير شيء من القرآن.
وأيضا لو كان المتشابه لا يعلمه إلا الله، لكان للجاهلين مطاعن في القرآن، ولزم منه الخطاب بما لا يُفهم؛ فيكون الخطاب به كالمتكلم بالزنجي مع العربي، فيجب أن يؤوّل المتشابه تأويلا (4) صحيحا، وهو التأويل بالعرض على الأصول، دفعا لمطاعن الجاهلين، وجذبا (5) بضبع (6)
(1) وقد روي هذا القول أيضا عن ابن عباس، ومجاهد، والربيع بن أنس، ومحمد بن جعفر بن الزبير. قال ابن عباس: (أنا ممن يعلم تأويله) . وقال مجاهد والربيع:"والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به". انظر: تفسير الطبري (6/ 203) .
(2) انظر: البرهان في علوم القرآن (2/ 73) ؛ والإتقان (2/ 3) ؛ وكشف الأسرار (1/ 56) ؛ ونسب هذا القول إلى أكثر المتأخرين وعامة المعتزلة.
(3) في"أ"،"ب"،"د"،"ز": (ياولون) ، وفي"جـ": (يؤلون) ، وفي"ط": (يأولون) ، وقد أثبتها كما في"و"، لموافقتها القواعد الإملائية.
(4) في"ط": (تأويلا) .
(5) في"ط": (جدبا) - بالدال المهملة -.
(6) في"ط": (بصيغ) - بالصاد المهملة والغين المعجمة -. والضبع - بسكون الباء - =