فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 317

لقد شنع الصوفية على من عبد الله بهذا القصد، وقالوا: لا ينبغي للعابد أن يعبد الله ويقوم بأمره ونهيه، خوفا من عقابه أو طمعا في ثوابه، فإن مثل هذا العابد واقف مع غرضه وحظ نفسه، ومحبة الله حقا تأبى ذلك وتنافيه، فإن المحب لا حظ له مع محبوبه، فوقوفه مع حظه علة في محبته، كما أن طمعه في الثواب تطلع إلى أنه يستحق بعمله على الله تعالى أجرة، وفي هذا آفتان: تطلعه إلى الأجرة، وإحسان ظنه بعمله، ولا يخلصه من ذلك إلا تجريد العبادة والقيام بالأمر والنهي من كل علة، بل يقوم به تعظيما للآمر الناهي، وأنه أهل أن يعبد وتعظم حرماته، فهو يستحق العبادة والتعظيم والإجلال لذاته، كما في الأثر الإلهي:"لَوْ لَمْ أَخْلُقْ جَنَّةً وَلَا نَارًا، أَمَا كُنْتُ أَهْلًا أَنْ أُعْبَدَ؟" (1) ومنه قول القائل:

هب البعث لم تأتنا رسله ÷ وجاحمة النار لم تضرم

أليس من الواجب المستحق ÷ ثناء العباد على المنعم؟

فالنفوس الزكية العلية تعبده، لأنه أهل أن يعبد، ويجل ويحب ويعظم، فهو لذاته مستحق للعبادة، قالوا: ولا يكون العبد مع ربه، كأجير السوء: إن أعطي أجره عمل، وإن لم يعط لم يعمل، فهذا عبد الأجرة، لا عبد المحبة والإرادة.

ولهذا يرون عن رابعة الأبيات المشهورة:

كلهم يعبدون من خوف نار ÷ ويرون النجاة حظا جزيلا

أو بأن يدخلوا الجنان فيحظوا ÷ بنعيم ويشربوا سلسبيلا

ليس لي في الجنان والنار حظ ÷ أنا لا أبتغي بحبي بديلا

ومن علماء المسلمين من رد هذا الكلام، واعتبره من شطحات القوم

(1) ذكر ابن القيم في المدارج: أنه أثر إسرائيلي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت