بل الاستقراء يدل على أنه كلما كان الرجل أعظم استكبارا عن عبادة الله. كان أعظم إشراكا بالله، لأنه كلما استكبر عن عبادة الله ازداد فقرا وحاجة إلى المراد المحبوب الذي هو مقصود القلب بالقصد الأول، فيكون مشركا بما استعبده من ذلك.
"ولن يستغني القلب عن جميع المخلوقات إلا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا يعبد إلا إياه، ولا يستعين إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يفرح إلا بما يحبه ويرضاه، ولا يكره إلا ما يبغضه الرب ويكرهه، ولا يوالي إلا من والاه الله، ولا يعادي إلا من عاداه الله، ولا يحب إلا لله ولا يبغض شيئا إلا لله، ولا يعطي إلا لله، ولا يمنع إلا لله."
فكلما قوي إخلاص دينه لله، كملت عبوديته واستغناءه عن المخلوقات، وبكمال عبوديته لله تكمل براءته من الكبر والشرك" (1) ."
ج-- والحياة التي نحياها هذه - طالت أو قصرت - ليست هي الغاية ولا إليها المنتهى، وما هي إلا محطة انتقال إلى حياة أخرى ودار أخرى حياة البقاء، ودار الخلود، وفي بعض الآثار: (إنكم خلقتم للأبد، وإنما تنتقلون من دار إلى دار) وقال الشاعر:
وما الموت إلا رحلة غير أنها من المنزل الفاني إلى المنزل الباقي
فالمعول عليه إذن إنما هو الدار الأخرى: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64] .
والإنسان في هذه الدار الفانية إنما يستصلح لتلك الدار الباقية، يستخلفه الله هنا ليعد ويصقل للخلود هناك، ولا شيء يصقله ويهذبه ويعده مثل الابتلاء، فهو البوتقة التي تصهر فيها النفس ويصفو الروح.
(1) العبودية، ص 112 - 114.