{يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88 - 89] .
فهذه هي وجهة النظر التي تسود في تقدير الفضل الديني للمؤمنين.
"وهذا الإقناع قد نما فيما بعد بفضل التعاليم المستخلصة من السنة، والتي ما لبثت أن شملت جميع نواحي الحياة الدينية، وبفضل نظرية النية والقصد والروح التي تلهم الأعمال، والتي اتخذت معيارا لقيمة العمل الديني، فمجرد ظل لباعث من بواعث الأثرة أو الرياء يجرد كل عمل طيب من قيمته" (1) .
فالقلب هو الأساس في الإسلام، وهو موضع نظر الله تعالى، ومحل عنايته، وهو مستند القبول والفلاح في الآخرة، وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى أَجْسَامِكُمْ وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوْبِكُمْ» (2) ، «أَلَا إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» (3) . ويقول القرآن: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ. هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ. مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ. ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ} [ق: 31 - 34] .
ولهذا يرى الإسلام أن العبادة المرضية عند الله ليست هي ذلك الشبح الخالي من الروح، وإنما هي تلك التي تصاحبها النية الصادقة، ويسري فيها روح الإخلاص سريان العصارة في أغصان الشجرة الناضرة، فتؤتي في النفس أكلها، وتثمر في الخلق والسلوك ثمرتها، وتذكر صاحب العبادة بحق الله، وتنبهه على حقوق الناس، فليست كل صلاة جديرة بالقبول عند
(1) العقيدة والشريعة، ص 30 - 31، طبعة ثانية بتصرف قليل.
(2) رواه مسلم.
(3) متفق عليه.