فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 317

ويخلع القرآن على السعي في مناكب الأرض، لطلب الرزق تسمية جميلة موحية برضا الله، فيسمي ذلك"الابتغاء من فضل الله"مثل قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10] ، {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 198] ويقرن المسافرين للرزق بالمجاهدين لله في سياق واحد إذ يقول: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [المزمل: 20] .

والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في فضل الزرع والغرس وما يجلب لصاحبه من مثوبة عند الله: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيْمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» (1) .

ويعلن أن: «اَلتَّاجِرُ الصَّدُوْقُ الْأَمِيْنُ مَعَ النَّبِيِّيْنَ وَالصِّدِّيْقِيْنَ وَالشُّهَدَاءِ» (2) .

وفي ظل هذه التعاليم لا يجوز للمسلم - ولا يتصور منه - أن يكون عالة على غيره، أو عبئا على المجتمع: يأخذ من الحياة ولا يعطيها، ويعتزل الناس والحياة باسم التفرغ للعبادة أو التبتل، بل يندفع بغير وازع خارجي إلى كل ميادين الحياة منتجا متقنا متفوقا، وهو يوقن أنه في صلاة وجهاد!

على أن الأروع مما تقدم كله أن تشمل العبادة الحاجات الضرورية التي يؤديها المسلم استجابة لدافع الغريزة البشرية، فالأكل والشرب ومباشرة الزوج لزوجته، وما كان من هذا القبيل يدخله الإسلام في دائرة العبادة الفسيحة بشرط واحد هو"النية". فالنية هي المادة السحرية العجيبة التي تضاف إلى المباحات والعادات فتصنع منها طاعات وقربات.

(1) متفق عليه.

(2) رواه الترمذي وحسّنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت