الناس لله، وأتقاهم له، ولكنه - صلى الله عليه وسلم - لم يهدر حقه في الحياة، وحق الحياة فيه، «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِيْ فَلَيْسَ مِنِّيْ» .
وعن أنس بن مالك قال: كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يَؤُمُّ قَوْمَهُ، فَدَخَلَ حَرَامٌ (ابْنُ مِلْحَانَ) وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَ نَخْلَهُ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ لِيُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ، فَلَمَّا رَأَى مُعَاذًا طَوَّلَ، تَجَوَّزَ فِي صَلَاتِهِ (خفّفها وحده قبل أن يفرغ معاذ) ، وَلَحِقَ بِنَخْلِهِ يَسْقِيهِ، فَلَمَّا قَضَى مُعَاذٌ الصَّلَاةَ، قِيلَ لَهُ: إِنَّ حَرَامًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَلَمَّا رَآكَ طَوَّلْتَ تَجَوَّزَ فِي صَلَاتِهِ وَلَحِقَ بِنَخْلِهِ يَسْقِيهِ. قَالَ: إِنَّهُ لَمُنَافِقٌ، أَيَعْجَلُ عَنِ الصَّلَاةِ مِنْ أَجْلِ سَقْيِ نَخْلِهِ؟!
قَالَ: فَجَاءَ حَرَامٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمُعَاذٌ عِنْدَهُ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَسْقِيَ نَخْلًا لِي، فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ لِأُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ، فَلَمَّا طَوَّلَ، تَجَوَّزْتُ فِي صَلَاتِي وَلَحِقْتُ بِنَخْلِي أَسْقِيهِ، فَزَعَمَ أَنِّي مُنَافِقٌ!!
فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مُعَاذٍ فَقَالَ: «أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟! أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟! لَا تُطَوِّلْ بِهِمْ، اقْرَأْ: بِـ {سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} ، وَنَحْوِهِمَا» (1) .
ولقد وضحت الروايات في القصة أن الصلاة كانت العشاء، فهي من صلوات الليل، لا من صلوات النهار وقت العمل والكدح، وذكر بعضها أن معاذا قرأ فيها بـ {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} لا بالبقرة ولا بآل عمران، ومع هذا فإن الرجل قام قبل أن يفرغ معاذ فصلى وحده وذهب - كل ذلك والرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يوجه إليه كلمة لوم أو عتاب، وإنما وجهها إلى إمام القوم الفقيه الجليل معاذ بن جبل «أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ؟!» .
وهذا هو الإسلام: دين لا ينعزل عن الدنيا، ودنيا لا تحيف على الدين!
(1) رواه أحمد بإسناد صحيح، والقصة في الصحيحين وغيرها بألفاظ مختلفة.