فهرس الكتاب

الصفحة 290 من 317

فلقد مرت هذه العبادات من الناحية التعليمية بأطوار ومراحل، حتى بلغت من التفريع والتعقيد والتشديد مبلغا لم يعد يتسع لمعرفته وقت الرجل العادي في عصرنا، ولو اتسع له وقته لم يتسع له فكره وقلبه.

وليس معنى هذا أننا نريد أن"نطوّر"العبادات حتى تهضمها معدة عصرنا المترفة، وتلائم روحه الجديدة.

كلا .. فالعبادات لا تقبل التطور، ولا تتغير بتغير الزمن، ولا تخضع لاجتهاد أو قياس أو إجماع، ولا تلين في يد الزمن لين العجينة في يد الخَبَّاز، حتى يشكلها حسبما يريد.

العبادات ثابتة ثبات الخلود. وكل ما نريد تغييره هو منهج تعليمها. وكل ما نريده أن نعود بهذا المنهج إلى ما كان عليه الحال في عهد رسول الل - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الراشدين الطاهرين.

أولا: فقه العبادة .. لا علم العبادة

ولكي نسير على هدى، يجب علينا أن نعرف هدفنا. إن هدفنا من هذا التعليم والتفقيه أن نحبب رب الناس إلى الناس، حتى يعبدوه عبادة حبّ وشكر وإقبال، لا عبادة مراسم وقوالب وأشكال .. أن نوجههم إلى روح العبادة، لا صورة العبادة فحسب. وبعبارة أخرى: أن يكون همّنا"فقه"العبادة، لا"علم"العبادة. والفقه، معنىً فوق العلم، والتفقيه، أخص من التعليم. العلم يتعلق بالعقول والرؤوس، والفقه، يتجاوز ذلك إلى القلوب والنفوس. والرسول - صلى الله عليه وسلم - إنما ناط الخير بالفقه في الدين، لا بمجرد العلم الظاهري الجاف به. قال: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا، يُفَقِّهْهُ فِي الدِّيْنِ» (1) .

غير أن مفهوم"الفقه"هذا أصابه من التغيير ما جعل مؤدّاه مجرد العلم الجاف بتقصي التفريعات الظاهرة، والأحكام الخلافية، وكثير من الفروض

(1) رواه البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت