عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ [الحج: 27 - 28] .
إن هذا التعليل القرآني لهذه الرحلة المباركة التي يقطعها الناس ركبانا ومشاة، قادمين من كل فج عميق، يفتح لنا بابا رحبا للتأمل في هذه المنافع المشهودة التي قدمها القرآن في الآية على ذكر اسم الله.
فالحج شحنة روحية كبيرة، يتزود بها المسلم، فتملأ جوانجه خشية وتقى لله، وعزما على طاعته، وندما على معصيته، وتغذي فيه عاطفة الحب لله ولرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولمن عَزَّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أُنْزل معه، وتُوقظ فيه مشاعر الأخوة لأبناء دينه في كل مكان، وتوقد في صدره شعلة الحماسة لدينه، والغيرة على حرماته.
إن الأرض المقدسة وما لها من ذكريات، وشعائر الحج وما لها من أثر في النفس، وقوة الجماعة وما لها من إيحاء في الفكر والسلوك .. كل هذا يترك أثره واضحا في أعماق المسلم، فيعود من رحلته أصفى قلبا، وأطهر مسلكا، وأقوى عزيمة على الخير، وأصلب عودا أمام مغريات الشر. وكلما كان حجمه مبرورا خالصا لله كان أثره في حياته المستقبلة يقينا لا ريب فيه، فإن هذه الشحنة الروحية العاطفية، تهزّ كيانه المعنوي هزًّا، بل تنشئه خلقا آخر، وتعيده كأنما هو مولود جديد يستقبل الحياة وكله طهر ونقاء. ومن هنا قال الرسول - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ مِنْ ذُنُوْبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (1) .
والحج فيه توسيع لأفق المسلم الثقافي، ووصل له بالعالم الكبير
(1) رواه البخاري وأحمد والنسائي.