فهرس الكتاب

الصفحة 305 من 317

{جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 97] .

ولكن لهذا الانحراف ثمنه في الدنيا قبل الآخرة. وأمامنا هذه القصة التالية عبرة ومثلا:

روى أبو داود وابن ماجه عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قَالَ: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ، فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ!! فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ. فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ! أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؟ فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ - أَوْ يَعْصِبَ» ، شَكَّ مُوسَى - َعلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» (1) .

فليت شعري إذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد حكم على هؤلاء بأنهم: «قَتَلُوْهُ، قَتَلَهُمُ اللهُ» مع جهلهم بالرخصة، فكيف يكون حكمه على الذين يعرفون الرخصة، ويعرفون محبة الله لإتيانها، ثم يشدّدون على عباد الله؟ تُرى، كم يقتل هؤلاء بتزمّتهم وتشديدهم من الأنفس وهم لا يشعرون؟!

رابعا: الرجوع إلى الكتاب والسنة، لا التعصب لمذهب

ومن التّزمّت الذي ابتلينا به في التعليم والإفتاء هو إلزام الناس التعبّد بمذهب واحد في كل مسائل العبادة والمعاملة. وقد يكون المذهب في مسألة بعينها ضعيف الدليل، بعيدا عن السداد، محرجا لعباد الله، وكأن اتباع مذهب معيّن فرض نطق به الوحي أو نزل به الروح الأمين!؟

وإن أي مذهب من المذاهب ليس إلا مجموعة من المسائل اجتهد فيها مجتهد لم يدع لنفسه العصمة، فإذا أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، ولم يحتكر إمام مجتهد الصواب لنفسه، ولم يزعم للناس أن ما ذهب إليه شرع يجب أن يتبع، ودين يجب أن يقلد.

(1) رواه أبو داود [336] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت