المجاهد، الذي يتحمل الشظف والجوع والحرمان، ويرحب بالشدة والخشونة وقسوة العيش ما دام ذلك في سبيل الله.
ومن حكم الصوم أنه يعرف المرء بمقدار نعم الله عليه، فالإنسان إذا تكررت عليه النعم، قَلَّ شعوره بها، النعم لا تُعرف إلا بفقدانها، فالحلو لا تَعرف قيمتَه إلا إذا ذُقْت المُرَّ، والنهار لا تَعرف قيمتَه إلا إذا جُنَّ عليك الليل، وبضدّها تتميّز الأشياء.
ففي الصوم، معرفةٌ لقيمة الطعام والشراب والشبع والريّ، ولا يُعرف ذلك إلا إذا ذاق الجسم حرارة العطش، ومرارة الجوع.
ومن أجل ذلك، ورد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا، قُلْتُ: لَا يَا رَبِّ، وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا، وَأَجُوعُ يَوْمًا ... فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ، وَإِذَا شَبِعْتُ شَكَرْتُكَ وَحَمِدْتُكَ» (1) .
ومن أسرار الصيام الاجتماعية أنه تذكير عملي بجوع الجائعين، وبؤس البائسين، تذكير بغير خطبة بليغة ولا لسان فصيح، تذكير يسمعه الصائم من صوت المعدة، ونداء الأمعاء، فإن الذي نبت في أحضان النعمة ولم يعرف طعم الجوع، ولم يذق مرارة العطش، لعله يظن أن الناس كلهم مثله، وأنه ما دام يجد فالناس يجدون، وما دام يطعم لحم طير مما يشتهي، وفاكهة مما يتخير، فلن يحرم الخبز والبقول! فلا غرو، أن جعل الله من الصوم مظهرا للاشتراكية الصحيحة، والمساواة الكاملة، وجعل الجوع ضريبة إجبارية، يدفعها الموسر والمعسر، ويؤديها من يملك القناطير
(1) رواه الترمذي وحسنه.