ويستجوبه بلا حجر ولا خوف، وهل سمعنا خطبة سياسية جامعة موجزة لرئيس دولة كالخطبة التي ألقاها أبو بكر يوم ولي الخلافة فقال: أيها الناس: إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حق فأعينوني وإن رأيتموني على باطل فسددوني، ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له، وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم"."
بيان ألقاه خليفة، يقول فلا يكذب، ويعد فلا يخلف، وسمعته أمة تسمع ولا تنسى، وتحاسب فلا تخشى، وكيف يخلف الخليفة أو تنسى الأمة، وبرلمانها يعقد في كل يوم خمس جلسات، ولا يغلق بابه في عطلة أو إجازة؟
وأي مجمع أو مؤتمر كالمسجد يجمع خلاصة الحي في كل صلاة، وصفوة البلد في كل جمعة، فإن الإسلام - كما ذكرنا - قد ندب إلى صلاة الجماعة، وجعلها أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة، وهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يحرق على قوم بيوتهم، لأنهم يتخلفون عن الجماعات.
دعا الإسلام أبناءه إلى الجماعة ليتعارفوا فلا يتناكروا، ويتقاربوا فلا يتباعدوا، ويتحابوا فلا يتباغضوا، ويتصافوا فلا يتشاحنوا.
لقد عرف أسلافنا قيمة المسجد - بوصفه مؤتمرا حافلا - فكانوا يعقدون فيه عقود زواجهم امتثالا للحديث الشريف: «أَعْلِنُوْا هَذَا النِّكَاحَ وَاجْعَلُوْهُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَاضْرِبُوْا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ» (1) .
(1) قال في كشف الخفاء: رواه الترمذي عن عائشة وضعّفه، لكن له شواهد، فيكون حسنا لغبره، بل صحيحا (1/ 145) .