فهرس الكتاب

الصفحة 265 من 317

والعطش، وأن ندرك سرّه تعالى في الصوم، حتى نؤدّيه كما أراده الله، لا كما اشتهاه الناس.

ولن نستطيع أن ندرك سرّ هذا الصوم إلا إذا أدركنا سرّ هذا الإنسان .. فما الإنسان؟ وما حقيقته؟

هل هو الجثّة القائمة؟ وهذا الهيكل المنتصب؟ هل هو هذه المجموعة من الأجهزة والخلايا واللحم والدم والعظم والعصب؟ إن كان الإنسان هو ذلك، فما أحقره وما أصغره!!

نعم .. ليس الإنسان هو ذلك الهيكل المحسوس، إنما هو روح سماوي يسكن هذا الجسم الأرضي، وسرّ من الملأ الأعلى في غلاف من الطين!

ليست حقيقة الإنسان إلا هذه اللطيفة الربانية، والجوهرة الروحانية التي أودعها الله فيه، بها يعقل ويفكر، وبها يشعر ويتذوق، وبها يدبر ملك الأرض، ويتطلع إلى ملكوت السماء، وبها أمر الله الملائكة أن تسجد لآدم، لا لما فيه من حمأ مسنون، وطين معجون: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ص: 71 - 72] .

ذلكم هو الإنسان، روح علوي، وجسد سفلي، فالجسد بيت، والروح صاحبه وساكنه، والجسد مطية، والروح راكب مسافر، ولم يخلق البيت لنفسه، ولا المطية لذاتها، ولكن البيت لمصلحة الساكن؛ والمطية لمنفعة الراكب، فما أعجب هؤلاء الآدميين الذين أهملوا أنفسهم، وعنوا بمساكنهم، وجعلوا من ذواتهم خداما لمطاياهم؛ وأهملوا أرواحهم، وعبدوا أجسادهم، فللجسد وحده يعملون، ولإشباع غرائزه الدنيا ينشطون، وحول بطونهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت