يخرج من هذا الدين (1) .
ولا ريب أن هذا الانحراف الذي وقع في تصور كثير من المسلمين لحقيقة الإسلام، وحقيقة العبادة فيه، لم يكن مقصودا للفقهاء، ولا هم مسئولون عنه، فإن ما صنعوه من التقسيم هو مقتضى التصنيف والتأليف العلمي كما ذكر المرحوم سيد قطب نفسه، ولم يستطع من ألف في الفقه في عصرنا أن يستغني عن هذا التقسيم أيضا.
على أن هذا التقسيم إنما يأتي إذا كتبوا في الفقه - فإذا كتبوا في غيره وجدنا مثل ابن تيمية يصرح بأن العبادة تشمل الدين كله، كما ذكرنا، ووجدنا مثل ابن القيم يدخل الدين كله أيضا في {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} كما سيأتي قريبا في بيانه لمراتب العبودية الخمسين.
هذا هو المظهر الثاني لشمول العبادة في الإسلام.
فكما شملت العبادة في الإسلام الحياة كلها، استوعبت كذلك كيان الإنسان كله.
فالمسلم يعبد الله بالفكر، ويعبد الله بالقلب، ويعبد الله باللسان، ويعبد الله بالسمع والبصر وسائر الحواس، ويعبد الله ببدنه كله، ويعبد الله ببذل المال، ويعبده ببذل النفس، ويعبده بمفارقة الأهل والوطن.
المسلم يتعبد الله بالفكر، عن طريق التأمل في النفس والآفاق، والتفكر في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء، والتدبر لآيات الله المنزلة وما فيها من هدى وحكمة، والنظر في مصاير الأمم وأحداث التاريخ وما فيها من عظة وعبرة، فهذا كله مما يتقرب به المسلم إلى الله الذي أنزل
(1) انظر: خصائص التصور الإسلامي ومقوماته، لسيد قطب، ص 129 - 130.