إن لعنة الجاهلية لم تدع شيئا دون أن تصيبه بالعقم والفساد. أفسدت العقائد والأفكار، وأفسدت العبادات والشعائر، وأفسدت الأخلاق والآداب، وأفسدت النظم والتقاليد، وأفسدت الحياة كلها، ولم يبق شيء من دين الله المنزل على أنبيائه إلا ناله رذاذ من هذا الشر المستطير.
وحينما أراد الله أن يبعث خاتم رسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، كان في العالم ألوان من الشعائر والعبادات، بعضها بقايا أديان سماوية قديمة، وبعضها إضافات، وابتداعات أرضية جديدة، بعضها مسخت صورته ومعناه، وبعضها بقيت صورته، وإن مسخ معناه، فلم يعد يوجه إلى مستحقه وهو الله وإنما يتوجه به العابدون إلى إله أو آلهة أو سماسرة آلهة في الأرض أو في السماء!
أديان بلغت في الرسوم والشكليات ففقدت الروح والإخلاص، وأديان تحررت من كل رسم وشكل، ففقدت معنى التعبد والابتلاء.
أديان تشددت وتعنتت وتزمتت حتى لكأنها إصر وأغلال، وأخرى ترخصت وغلت في الترخص، حتى لكأنها لهو ولعب.
وجاء الإسلام، فلم يمل مع الغالين، ولم ينحرف إلى المقصرين، بل شرعه الله"دينا قيما"لا عوج فيه، ولا غلو ولا تقصير، بل كان كما خاطب الله رسوله: قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا