ولقد كان الإسلام حكيما غاية الحكمة حين حرم - أشد التحريم - على البشر أن يشرعوا في الدين ما لم يأذن به الله، وأن يبتدعوا صورا للتقرب إلى الله لم يجئ بها وحيه المعصوم، حتى أعلن في صراحة قاطعة: أن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
والذي يقرأ تاريخ الأديان يرى الحكمة في هذا التشديد ماثلة للعيان، واضحة وضوح الصبح لذي العينين.
إن الابتداع في الدين هو الكوة التي تسلل منها الشيطان إلى عامة المتدينين من اتباع الملل، فأفسد عليهم دينهم وحياتهم، وخرب عليهم عقائدهم وعباداتهم، ولم يدع في حياتهم الدينية دعامة إلا أتى عليها من القواعد، وفتح عليهم أبوابا من الفساد لم يستطيعوا بعد إغلاقها.
عن طريق الابتداع زحف الشرك ودخلت الوثنية على الأمم، حتى الكتابية منها، فأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، وعبدوا من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم، قائلين: هؤلاء شفعاؤنا عند الله!
وعن طريق الابتداع جاء الغلو في الدين والتنطع فيه، وإدخال الحرج والعنت والآصار والأغلال على أتباعه، واخترع الناس ألوانا شتى من الشعائر والتعبدات، كلها عنت وإرهاق، وتكليف ما لا يكاد يطاق.
وعن طريق الابتداع حرم الغلاة ما أحل الله من الزينة والطيبات، فأهملوا الدنيا باسم الدين، وخربوا العمران بدعوى الإيمان، وعذبوا الأجسام بزعم تصفية الأرواح!
وعن طريق الابتداع حدثت التحريفات الهائلة، والانحرافات الشنيعة في كثير من الأديان، وقع فيها رجال ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم