فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 317

يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

ويكفي أن نتأمل ما ابتدعه النصارى من نظام"الرهبانية"وما فيه من غلو وعتو وقسوة على الطبيعة، وشرود عن الفطرة، لنعلم كيف ينحرف العقل البشري إذا مشى وحده، ولم يعتصم بحبل الله، ولم يستضئ بنوره وهداه، وكيف يجور ويعتسف، ويرتكب أكبر الحماقات والجهالات، مع أن قصده ونيته - فيما يحسب - التقرب إلى الله تعالى؟! (1)

وكذلك نرى مشركي العرب كيف اتخذوا الأوثان وعبدوا الأحجار والأصنام، لتقربهم إلى الله زلفى، فأساس الشرك في الحقيقة هو الابتداع.

وكيف سولت لهم شياطينهم تحريم ما أحل الله من طيبات الحرث والأنعام؟ بل كيف زينوا لهم ذبح أولادهم وفلذات أكبادهم، تقربا إلى الآلهة فيما زعموا، ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم!

وكيف طوعت لهم أنفسهم أن يطوفوا بالبيت عراة، كما ولدتهم أمهاتهم، رجالا ونساء، لا يستحيون ولا يتحرجون. وكيف وهم بعملهم هذا - في زعمهم - إلى الله يتقربون؟!

تقرأ في سورة الأنعام نماذج من هذه المبتدعات والتحريمات في قول الله تعالى: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ. وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ. وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ. قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [الأنعام: 137 - 140] .

(1) اقرأ نماذج من هذا الغلوّ فيما سنذكره في مبدأ:"التوازن بين المادية والروحية"من هذا الكتاب في ص 175 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت