المقنطرة، ومن يملك قوت يومه، حتى يشعر الغني أن هناك معدات خاوية، وبطونا خالية، وأحشاء لا تجد ما يسدّ الرمق، ويطفئ الحرق، فحري بإنسانية الإنسان، وإسلام المسلم، وإيمان المؤمن، أن يرقّ قلبه، وأن يعطي المحتاجين، وأن يمد يده إلى المساكين، فإن الله رحيم، وإنما يرحم من عباده الرحماء، وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ اللَّهُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ» (1) .
وقد روي أن يوسف - عليه السلام - كان يكثر الصيام وهو على خزائن الأرض، بيده المالية والتموين، فسُئل في ذلك فقال: «أَخَافُ إِذَا شَبِعْتُ أَنْ أَنْسَى جُوْعَ الْفَقِيْرِ» !
وفي الصوم قبل ذلك وبعده، تمام التسليم لله، وكمال العبودية لرب الناس، ملك الناس، إله الناس. وهذه الحكمة هي القدر المشترك في كل عبادة، والهدف الأسمى من كل فريضة، ولن تكون العبادة عبادة، ولا العبد عبدًا، إلا بها: يقول رب العباد: «أَمَرْتُ وَنَهيْتُ» ، ويقول العباد: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285] .
وما أظهر هذا التسليم والعبودية في الصوم خاصة، فالصائم يجوع ويعطش، وأسباب الغذاء والريّ أمامه ميسرة، لولا حب الله والرغبة في رضاه، وإيثار ما عنده. ولهذا، نسب الله الصيام إلى حضرته، وتولى جزاء الصائمين بنفسه فقال: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامُ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ طَعَامَهُ مِنْ أَجْلِيْ، وَيَدَعُ شَرَابَهُ مِنْ أَجْلِيْ، وَيَدَعُ لَذَّتَهُ مِنْ أَجْلِيْ، وَيَدَعُ زَوْجَتَهُ مِنْ أَجْلِيْ» (2) .
ذلكم هو الصوم في الإسلام، لم يشرعه الله تعذيبا للبشر ولا انتقاما،
(1) رواه أبو داود والترمذي.
(2) رواه ابن خزيمة في صحيحه.