وبيئته الاجتماعية.
إن الحياة الدنيا لا ينظر إليها على أنها صدقة عادية فارغة، ولا على أنها طيف خيال الآخرة، التي هي آتية لا ريب فيها، من غير أن تكون منطوية على معنى ما، ولكن على أنها وحدة إيجابية تامة في نفسها، والله تعالى"وحدة"لا في جوهره فحسب، بل في الغاية إليه أيضا، من أجل ذلك كان خلقه وحدة، ربما في جوهره، إلا أنه وحدة في الغاية منه بكل تأكيد.
وعبادة الله في أوسع معانيها - كما شرحنا آنفا - تؤلف في الإسلام معنى الحياة الإنسانية، هذا الإدراك وحده يرينا إمكان بلوغ الإنسان الكمال - في إطار حياته الدنيوية الفردية - ومن بين سائر النظم الدينية نرى الإسلام - وحده - يعلن أن الكمال الفردي ممكن في الحياة الدنيا .. إن الإسلام لا يؤجل هذا الكمال إلى ما بعد إماتة الشهوات"الجسدية"، ولا هو يعدنا بسلسلة متلاحقة الحلقات من"تناسخ الأرواح"على مراتب متدرجة - كما هي الحال في الهندوكية - ولا هو يوافق البوذية التي تقول بأن الكمال والنجاة لا يتمان إلا بعد انعدام النفس الجزئية وانقسام علاقاتها الشعورية من العالم .. كلا، إن الإسلام يؤكد في إعلانه أن الإنسان يستطيع بلوغ الكمال في حياته الدنيا الفردية، وذلك بأن يستفيد استفادة تامة من وجوه الإمكان الدنيوي في حياته هو" (1) ."
يعن لبعض الناس هنا سؤال يحتاج إلى جواب، وهو: إذا كانت العبادة تشمل الدين كله - كما قال ابن تيمية - فلماذا عطف القرآن عليها غيرها من أوامر الدين ونواهيه، في مثل قوله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا
(1) الإسلام على مفترق الطرق، ص 21 - 23 ترجمة الدكتور عمر فروخ.