فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 317

تلك هي شهادة رجال رسخوا في علوم الكون، وغاصوا في أعماقها، وهي شهادات في جانب الإيمان، ولكن الشك والإلحاد يأتيان من جانب الذين عرفوا قشورا من العلم، أو درسوا قليلا من الفلسفة، كما قال بيكون بحق.

إن الإيمان بالله ليس غريزة فطرية فحسب، بل هو ضرورة عقلية كذلك وبدون هذا الإيمان سيظل هذا السؤال الذي أثاره القرآن قلقا حائرا بغير جواب:

{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ؟. أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؟} [الطور: 35 - 36] .

وهم بداهة لم يخلقوا من غير شيء، وطبعا لم يخلقوا أنفسهم، ولم يدع أحد منهم ولا ممن قبلهم أو بعدهم أنه خالق السموات والأرض! فمن الخالق إذن؟!

وليس لهذا السؤال إلا جواب واحد، لا يملك الإنسان - إذا ترك ونفسه - إلا أن يجيب به، كما فعل المشركون أنفسهم: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} [الزخرف: 9] .

أما السؤال الثاني: إلى أين؟ فإن الماديين يجيبون عنه جوابا يهبط بالإنسان المكرم إلى درك الحيوانية الدنيا، إنهم يقولون ببساطة عن مصير الإنسان بعد رحلة الحياة الحافلة: إنه الفناء والعدم المطلق: أن تطويه الأرض في بطنها كما طوت ملايين الحيوانات الأخرى، وأن تعيد هذا الجسد - الذي هو الإنسان عندهم - إلى عناصره الأولى، فيعود ترابا تذروه الرياح!

هذه هي قصة الحياة والإنسان عند هؤلاء:"أرحام تدفع، وأرض تبلع!"ولا خلود ولا جزاء، يستوي في ذلك من عاش عمره للناس على حساب شهواته،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت