فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 317

ومن عاش عمره لشهواته على حساب الناس، يستوي في ذلك من ضحى بحياته في سبيل الحق، ومن اعتدى على حياة الآخرين في سبيل الباطل!

فعلام إذن تميز الإنسان على غيره من كائنات الأرض؟ ولماذا سخر له كل ما حوله؟ ولماذا منح من المواهب والقوى الروحية والعقلية ما لم يمنح لغيره؟ وما سر هذا التطلع إلى الكمال والخلود يغمر جوانب نفسه. إذا كان مصيره التلاشي والعدم بعد أيام الحياة المعدودات؟!

أما المؤمنون فهم يعرفون إلى أين يسيرون؟ يعرفون أنهم لم يخلقوا لهذه الدنيا. وإنما خلقت هذه الدنيا لهم.

يعرفون أنهم خلقوا لحياة الخلود ودار البقاء وهم في هذه الحياة إنما يستصلحون ويعدون للدار الأخرى، ويتزودون منها هنا ما ينفعهم هناك، ويترقون في مدارج الكمال الروحي والنفسي حتى يكونوا أهلا لدخول تلك الدار الطيبة التي لا يدخلها إلا الطيبون، وهناك يقول لهم خزنتها: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73] .

وإنه لعسير على العقل أن يؤمن بخالق عليم حكيم أحسن هذا الكون صنعا وقدر كل شيء فيه تقديرا، ووضع كل شيء فيه بميزان وحساب، ثم يؤمن بعد ذلك أن سوق هذه الحياة ستنفض، وقد نهب فيها الناهب، وسرق السارق، وقتل القاتل، ولا تقتص يد العدل الإلهي من هؤلاء المجرمين، ولا تنتصر للضعيف المظلوم الذي لم يكن له نصير غير الله، ولا ملجأ غير السماء، ولا تكافئ المحسن الذي كافأه الناس بالتنكر والاضطهاد!! إن هذا لهو العبث الذي يتنزه خالق هذا الكون البديع عنه، وإنه للباطل الذي قامت السموات والأرض بضده، وما أروع القرآن وهو يوضح هذه الحقيقة الكبيرة: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ. فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} [المؤمنون: 115 - 116] ، {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى؟} [القيامة: 36] ، أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت