{وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة: 219] ، وكان مقتضى تلك الآيات أن يقال في هذه: وإذا سألك عبادي فقل: إني قريب، ولكن أسلوب الآية خالف المعتاد ولم يأمر الله رسوله أن يقول للناس ذلك، وقال سبحانه مباشرة {فَإِنِّي قَرِيبٌ} ولهذا الأسلوب دلالته وإيحاؤه في الأنفس والعقول، إذ لم يجعل الله واسطة بينه وبين عباده، كأنه قال لرسوله لا تبلغهم أنت عني، كما تبلغ في أسئلة الأحكام، ولكن دعني أنا أقول لهم: إني قريب!
ولما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه يجهرون بالدعاء قال لهم: «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيْبًا» (1) .
وبهاتين الحقيقتين: أنه تعالى فوق عباده قهرا وعلوا وسلطانا، وأنه قريب منهم، بل معهم، علما وإحاطة، ورعاية وإجابة - يتبين لنا أن لا مكان في الإسلام للوسطاء والسماسرة الذين يدعون الشفاعة عند الله، ويزعمون احتكار الوساطة لديه، ويبيعون ويشترون في خلق الله، كما يصنع أنصار الملوك الجبارين، والرؤساء المستبدين.
نعم: لا مكان لهؤلاء، لأن الله في عقيدة الإسلام أجل وأعلى من أن يكون له وسطاء أو شفعاء يعلمونه من أمر الناس بما لم يكن يعلم، أو يوجهون إراداته إلى ما لم يكن يريد، وهو سبحانه أكرم من أن يدع رحمته وجنته غنيمة لهؤلاء الدجاجلة المضللين، يوزعونها بالأسهم والقراريط، فله وحده الخلق والأمر، وله وحده الملك والملك، وله وحده العقوبة والعفو، وقد قال تعالى ردا على من زعم أن الملائكة أبناء الله: بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ. لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا
(1) رواه البخاري.