فكل إحسان يسديه إليه أو أذى يدفعه عنه عبادة تقربه إلى الله، وتوجب له رضاه.
وقد حدث النبي أصحابه عن رجل وجد كلبا يلهث يأكل الثرى من شدة العطش، فنبضت عروق الرحمة في قلبه، وعز عليه أن يدع هذا الكلب في حرقه وشدة ظمئه، فذهب به إلى بئر فنزع خفه وملأه منها، فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له، سمع الصحابة هذه القصة فقالوا في عجب: أئن لنا في البهائم لأجرا يا رسول الله؟
قال: «فِيْ كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ (أي: فيها حياة) أَجْرٌ» (1) .
وفي هذه الدائرة الرحبة من أعمال البر التي شملت الإنسان وغير الإنسان يجد المهتمون بالعبادة، الراغبون في الإكثار منها، والمهتمون بخدمة المجتمع والإحسان إلى الخلق أيضا ما يشبع نهمهم ويتجاوب مع أشواقهم، بدل أن يحصروا في عبادات"الصوامع"وحدها وينقطعوا عن ركب الحياة.
وأعجب من هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يجعل الأعمال الدنيوية التي يقوم بها الإنسان لمعيشته، والسعي على نفسه وأهله، من أبواب العبادة والقربات إلى الله، وإن لم يتعد نفعها دائرته الشخصية والأسرية، فالزارع في حقله، والعامل في مصنعه، والتاجر في متجره، والموظف في مكتبه، وكل ذي حرفة في حرفته، يستطيع أن يجعل من عمله المعاشي صلاة وجهادا في سبيل الله، إذا التزم فيه الشروط الآتية:
1 -أن يكون العمل مشروعا في نظر الإسلام، أما الأعمال التي ينكرها الدين كالعمل في الربا والحانات، والمراقص ونحوها، فلا تكون ولن تكون
(1) رواه البخاري.