أما إنها دعوة باطلة، فلأن العبادة مطلوبة لذاتها، وغاية في نفسها. بل هي - كما أوضح القرآن - مراد الله من خلق المكلفين إنسا وجنًّا، بل هي الغاية وراء خلق السماوات والأرض: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12] ، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] . والمقصود الأول من العبادة - كما ذكرنا - هو أداء حق الله - عزّ وجلّ -.
المقصود بالعبادة أن يعرف الإنسان نفسه فقيرا لا حول ولا قوة له إلا بربه، ولا اعتماد له إلا عليه، ولا قيام له بذاته، ويعرف ربه عليًّا كبيرا، غنيًّا عن العالمين: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ. إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ. وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} [فاطر: 15 - 17] .
إظهار العبودية لرب العالمين، وامتثال أمره - سبحانه - فيما تعبّد به خلقه هو علة العبادات كلها، من صلاة، وصيام، وزكاة، وحج، وتلاوة، وذكر، ودعاء، واستغفار، واتباع للشريعة، والتزام بأحكام الحلال والحرام. أما صلاح النفس، وزكاة الضمير، واستقامة الأخلاق، فهي ثمرة لازمة للعبادة الحقة، وليست علة غائية لها. لهذا قال تعالى: {اُعْبُدُوا رَبَّكُمْ .. لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21] ، {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] ، فالتعبير ب- {لَعَلَّ} هنا التي تفيد الترجي - دون التعبير بلام التعليل، أو"كي"- يفيد أن العبادة، أو الصيام، تجعلهم على رجاء التقوى وتعدّهم لها.
وحتى لو ذكر التعليل صريحا، ما أفاد ذلك ترك العبادة إذا لم تُؤَدِّ إلى