وكثيرا ما وجّه إليّ في شهر رمضان سؤال يقول: هل تفطر الحقن الشرجية، وكذلك استعمال المراهم وما شابههما في فتحة الشرح لأجل البواسير ونحوها؟
والمشهور عند عامة الناس: أن الحقن الشرجية تفطر، وأن إدخال شيء مقدار"عقلة أصبع"في الدبر يفطر، ولكني اخترتُ غير هذا المذهب في جوابي عن السؤال، فقلت فيه:
لا يجهل أحد معنى الصوم البسيط وهو الامتناع عن الأكل والشرب ومباشرة النساء. وهي أمور نصّ عليها القرآن، ولا يجهل أحد كذلك معنى هذه الممنوعات، فقد كان يفهمها بداة الأعراب في عهد النبوة، ولم يحتاجوا في فهم معنى الأكل والشرب إلى حدود وتعريفات، ولا يجهل أحد كذلك الحكمة الأولى للصوم، وهي إظهار العبودية لله تعالى بترك شهوات الجسد، طلبا لمرضاته سبحانه، كما قال في الحديث القدسي: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِيْ وَأَنَا أَجْزِيْ بِهِ، يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِيْ» (1) .
وإذا تبين ذلك رأينا أن تعاطي الحقن بأنواعها، واستعمال المراهم ونحوها، ليس أكلا، ولا شربا في لغة ولا عرف، ولا تنافي قصد الشارع وحكمته من الصيام، ولا موضع للتشديد في أمر لم يجعل الله فيه من حرج. قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] .
قال ابن حزم: لا ينقض الصوم حقنة (2) ، ولا سعوط (نشوق) ولا تقطير في أذن أو في إحليل أو في أنف، ولا استنشاق، وإن بلغ الحلق، ولا مضمضة دخلت الحلق من غير تعمّد، ولا كحل وإن بلغ إلى الحلق نهارا
(1) جزء من حديث متفق عليه. انظر: صحيح البخاري [1904، 5927] ، وصحيح مسلم [1151] .
(2) يعنون بها الحقنة الشرجية، إذ الحقن العرقية والجلدية لم تكن عرفت في عهدهم.