والزكاة ليست هي الحق الوحيد في مال المسلم، وإنما هي الحق الدوري المحدد المرسوم، وفي المال حقوق أخرى تقتضيها الظروف، وتوجبها الحاجات وتوكل في الغالب إلى ضمير المسلم ومشاعره الزكية التي رباها الإسلام، فليس لها قدر محدد ولا زمن معين.
عن أنس بن مالك أن رجلا من بني تميم أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إني ذو مال كثير، وذو أهل ومال وحاضرة، فأخبرني كيف أصنع، وكيف أنفق؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «تُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنْ مَالِكَ فَإِنَّهَا طُهْرَةٌ تُطَهِّرُكَ، وَتَصِلُ أَقْرِبَاءَكَ، وَتَعْرِفُ حَقَّ الْمِسْكِيْنِ، وَالْجَارِ، وَالسَّائِلِ» (1) فجعل صلة الأقرباء من المال ومعرفة حق المسكين والجار والسائل من الحقوق عليه بعد الزكاة.
وقال تعالى في بيان حقيقة البر وعناصره: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177] .
فجعل من عناصر البر إيتاء المال ذوي القربى ومن بعدهم، مع الزكاة المقرونة بالصلاة.
وكل ما ذكرناه إنما هو في الإنفاق الواجب، ولكن دائرة الإنفاق
(1) رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.