إننا لا ننكر أن لِلْخُلُقِ والضمير مكانةً أيّ مكانة في الإسلام، وأن الخُلُقَ مقوّمٌ أصيل من مقوّمات الشخصية الإسلامية، وأن أبرز ما أثنى به الله على محمد رسوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٌ} [القلم: 4] . وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال في بعض أحاديثه: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ» (1) .
لا ننكر شيئا من هذا؛ وإنما الذي ننكره أن يقال: إن عبادة الله ما هي إلا أداة - مجرد أداة - لتربية ما أسموه الضمير، وليست هي الأداة الوحيدة؛ بل ليست الأداة المفضّلة في نظر هؤلاء!
إننا ننكر أن يقوّم فضل إنسان فلا يجعل لعبادة الله وزن في تقويمه وتقديره، وهذا ما حذر منه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتنبأ به حين قال: «يَأْتِيْ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُقَالُ لِلرَّجُلِ فِيْهِ: مَا أَظْرَفَهُ! مَا أَعْقَلَهُ! مَا أَجْلَدَهُ! وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ» (2) .
إننا نقرأ القرآن وهو يرسم صورة تفصيلية للشخصية المؤمنة، فنجد العبادة أول مَعْلَمٍ واضح فيها، ففي سورة المؤمنون يقول سبحانه: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المؤمنون: 1 - 9] .
فانظر كيف جعل أول أوصافهم الخشوع في الصلاة، وآخر أوصافهم
(1) رواه الحاكم وصححه.
(2) رواه البخاري.