ولعل هذا ما نفهمه من عبارة الآية: {تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] ، فعطف التزكية على التطهير قد يفيد هذا المعنى الذي ذكرناه، إذ كل كلمة في القرآن لها معناها ودلالتها.
والزكاة أيضا نماء لشخصية الفقير، حيث يحس أنه ليس ضائعا في المجتمع، ولا متروكا لضعفه وفقره، ينخران فيه حتى يوديا به، ويعجلا بهلاكه، كلا، إن مجتمعه ليعمل على إقالة عثرته، ويحمل عنه أثقاله، ويمد له يد المعونة بكل ما يستطيع، وبعد ذلك هو لا يتناول الزكاة من فرد يشعر بالاستعلاء عليه، ويشعر هو بالهوان أمامه، بل يأخذ حقه من يد الدولة حرصا على كرامته أن تخدش، ولو قدر للأفراد أن يكونوا هم المعطين بأنفسهم، فالقرآن يحذرهم المن والأذى: {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ} [البقرة: 263] .
والزكاة بعد ذلك نماء للمال وبركة فيه، وربما استغرب ذلك بعض الناس فالزكاة في الظاهر نقص من المال بإخراج بعضه، فكيف تكون نماء وزيادة؟!
ولكن العارفين يعلمون أن هذا النقص الظاهري وراءه زيادة حقيقية: زيادة في مال المجموع، وزيادة في مال الغني نفسه، فإن هذا الجزء القليل الذي يدفعه يعود عليه أضعافه من حيث يدري أو لا يدري.
وقريب من هذا ما نراه في بعض الدول الغنية المتخمة تتبرع بأموال من عندها لبعض الدول الفقيرة، لا لله، ولكن لتخلق قوة شرائية لمنتجاتها.
وإذا نظرنا نظرة نفسية نرى أن الدينار في يد رجل تخفق له القلوب بالحب، وتهتف له الألسنة بالدعاء، وتحوطه الأيدي بالحماية والرعاية - الدينار مع هذا الإنسان أشد قدرة وأكثر حركة من بضعة دنانير مع غيره،