وليس بعد هذا التصوير القرآني بيان فيما للإخلاص من أثر في قبول الصدقة أو ردها.
وقد قص علينا النبي - صلى الله عليه وسلم - قصة رجل مخلص أراد أن يتستر بصدقته، ويعطيها تحت ستار الليل، حيث يكون في مأمن من رياء الخلق، وابتغاء المحمدة والشهرة عند الناس، ولكنه أخطأ السبيل، فوضعها في غير موضعها، وأعطاها من لا يستحقها، ولكن صِدْق نيته وإخلاصه نَفَعَه، وبارك عمله، فلم تذهب صدقته سدى، ولم تضع هباء، فقد روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:"قَالَ رَجُلٌ: لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ - فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى سَارِقٍ! فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ .. عَلَى سَارِقٍ؟! لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ!؟ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ!؟ فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ .. عَلَى زَانِيَةٍ؟! لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ!؟ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى غَنِيٍّ؟!، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ .. عَلَى سَارِقٍ وَعَلَى زَانِيَةٍ وَعَلَى غَنِيٍّ؟!، فَأُتِيَ - أي: في المنام - فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ" (1) .
وبهذا القصص كان يعلمهم النبي الكريم أن الإخلاص هو ينبوع الخير، وميزان القبول.
وما قلناه هنا عن الصلاة والصيام والصدقة يقال عن الحج وتلاوة القرآن، والجهاد، والهجرة من أجل الدين، وكل عمل شرعه الله ليتعبد به ويتقرب إليه، وقد هاجر بعض المسلمين في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة
(1) الحديث متفق عليه: رواه البخاري [1421] ، ومسلم [1022] .